ولا يعتذر أحد بغدر، ولو فعلت الأمة فقط هذا الأمر واستجابت له ضد أعدائها، وضد غاصبيها، وقامت مثنى وفرادا فهل يكون حالنا هذا الحال، وهل نهان هذا الهوان!!
هذه كلمة الله لنا- انفروا خفافاً وثقالاً- وهي عصية عن تقييد فقهاء الجبن والبخل، وعصية عن أهواء الفكر الجاهل الذي غرته بنيات الطريق، وبدع الحوادث التي يزينها الشيطان للناس، فهي الماحية لكل جهل ولكل بدعة ولكل جبن وبخل.
هذه كلمة الله التي تلغي من قلوب عبيده الكسل والخمول والإستسلام للواقع، فليس واقعك ليحدك وينميك، بل لتتحداه وتتجاوزه لا بالوقوف عنده، بل بالذهاب بعيداً إلى الآخر كما يفهم كل دارسي التاريخ بأن أعظم مشاكل المجتمعات لا تكون بالسكون والوقوف عليها، بل بالذهاب إلى الآخر غزواً ونفيراً، ومع المسلمين جهاداً في سبيل الله تعالى.
هذه كلمة الله لقوم ينتظرون نضج ثمار بساتينهم فتحملهم نفرة إلى منابع الرزق الحقيقي لهم، لأنهم أمة تحمل صفة الفعل الإلهي في الأرض، رحمة على المؤمنين أعزة على الكافرين، فهي تقول لهم: ليس هنا رزقكم إنما رزقكم بقطع القفار والصحاري لتبليغ دين الله ونشر رسالة النور، فهناك رزقكم وخيركم ومقامكم.
هذه كلمة الله التي تعلمهم أن لا يحول بينهم وبين رسالتهم وصفتهم حائل مهما أطبق عليهم وأحاط بهم، لأنهم جند الله، فإن كانوا كذلك فهم يجاهدون واقعهم كما يجاهدون أعداءهم سواء، بل لا يمكن أن يتحقق أحدهما إلا بالآخر، فهل يمكن للمرء أن يجاهد نفسه صبراً على تقلب الظروف- خفافاً وثقالاً- على وجه يعادل أن ينفر وهو على هذه الصفة؟!
أين الذين يتحدثون عن التربية من غير جهاد؟! وأين الذين يقولون بأن جهاد النفس يمكن أن يكون بغير نفير؟! ليأت هؤلاء إلى هذه الآية وواقعها ليعلموا حقيقة التربية التي يريدها القرآن للمسلمين ليروا تأييد الله لهم، ونصرة الله لهم، وإكرام الله لهم.
إن من أسرته أمواله واستسلم لها لا يغير واقعه، وإن من وقف على همومه ليقضيها ستطبق عليه وتحيط به.
انفروا إلى الآخرين ونقوا أنفسكم بالذهاب إليهم جهاداً، وأصلحوا أوضاعكم بالمسير لا القيام فـ (ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون).
هذه وصفة القرآن لعلاج الأمراض إن كانت، وللتحصن مما لم يأت، فإن ابتعد الناس عنها فهو العذاب الاليم.
حين تشغل الأمة بالجهاد تهتدي وتنقى من الشوائب وتتحصن من الأمراض، وحين تسكن وتتثاقل وتقعد كما هو شأن كل المجتمعات تبدأ بالتآكل والفساد، وتفشو فيها الأمراض، فيكون الفناء (ويستبدل قوماً غيركم).
"انفروا" هي سنة الله في السحب التي تحيي الأرض بعد موتها، وهي سنة الله في الأنهار التي تقوم عليها الحضارات والأمم، وهي سنة الشمس التي تبعث الحياة.
هذه كلمة الله الشافية للأمم والجماعات والأفراد، وليست شعراً يتردد على الأفواه لتستمع به الآذان وأصحابها قعود.
اللهم إن المجاهدين في كل وقت وفي زماننا هم غيث هذه الأمة وهم هواءها وماؤها وشمسها.