اكتسب منه لطعامه وشرابه، ولا من قرأه ليقدم به امتحاناً ينال به شهادة يسلك بها سبيل أهل الدنيا، فليس هؤلاء هم أهل القرآن، بل هم حملة صفاته، والمستجيبين لندائه، إذ ينادي بعضهم بعضاً يوم اليمامة وكثرة القتلى على باب حديقة مسيلمة: "يا أهل القرآن"، فينزعون إلى النداء، ويعطفون على اللواء، فيستحر القتل في اهل القرآن وحملته، فلا يقول قائل: هذا ضد مصلحة الدين، وضد مصلحة حفظ القرآن، لأن أهل القرآن يعلمون انه نزل بحزن، وقرئ بحزن، ولا يحفظ إلا بدماء هؤلاء، وعرق أهله الذي إذا دعوا إليه أجابوه.
لقد كانت هذه الآية شعار الصادقين إن كبروا، وشعارهم إذا فقروا، وشعارهم إذا جرحوا، ودليلهم حين يعذرهم الناس أن لو جلسوا وأقاموا عن الجهاد لكفاية أبنائهم لهم، لأنهم يعلمون أن هذه الآية خطاب الله لهم.
كم واحد منا يقف أمامها ويصدق الله أنها متوجهة إليه؟!
كم من هذه الأمة اليوم يتلو كتاب الله ثم إن جاء على هذه الآية سأل نفسه أين أنا منها؟ وأين الأمة منها؟!
كم من أهل العلم في زماننا ذكّر الأمة بها حين استبيحت بيضة الإسلام وقتل أهله وهتكت أعراضه؟
هل وقف الواعظون والمفتون أمامها يصدون أهل الإسلام عن العمل بها، أم أعلنوها على رؤوس الأشهاد:- ان انفروا فراداً وجماعات، شباناً وشيبة، فلا شروط لها وهم يسمعون قول الله تعالى:- ((فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين)) أي أن الداعي إن أراد الإمامة سلك السبيل وأرسل لمن وراءه أن يلحقوه، لا أن يقف كالأفعى على رأس البئر فلا يشرب منه ولا يدع غيره يأتيه كما يفعل أهل الضلال اليوم بوضع شروط تعطل قوله تعالى ((خفافاً وثقالاً)).
يأتون على الصريح من كتاب الله كقوله ((خفافاً وثقالاً)) فيثنون عنانه بأهوائهم ثم يشكون أن سقطت هيبة العلم والعلماء من قلوب الناس، ولم يعد شباب الإسلام يسمعون لهم.
كيف يسمعون لهم وهم يرونهم يتهارشون مع أهل الدنيا على الدنيا؟ وكيف يخدمونهم وهم يرونهم يغيرون كل يوم كلماتهم؟!
لقد قال أهل العلم:- إن من سمات المفتي الموفق أن يفتي بلفظ الكتاب والسنة للسائل، لما في نفس اللفظ من المعاني التي تؤثر أكثر من تأثير غيرها، فكم أفتى المفتون بهذه الآية في زماننا، وكم سمعها الناس منهم، لا لجهاد خارج ديار الإسلام بل لرد الكفار عن حريمهم ودينهم وتوحيدهم لربهم؟
سمعت أحدهم يقول- ونعم ما قال- لقد وقف المسلمون اليوم في حلقات التدريس والتعليم عند ((ادغام)) انفروا، أي ادغام حرف النون مع الفاء، يجودونها ويشددون عليها، وظنوا أن هذا يحق النصر والعودة للقرآن، فإن فعلوا ذلك ظنوا أنهم صاروا من أهل القرآن.
إن صَدَق المسلمون مع ربهم، وصدقت نياتهم في تغيير حالهم لجعلوا قوله تعالى ((انفروا)) شعارهم وديدنهم وعملهم كما كان شأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن هذه الكلمة تعني أن لا يستقر أحد لدنيا، ولا يجبن أحد عن مهام،