تزوّر عليهم الوقائع والاخبار، فيذمون ما هو حق ويمدحون ما هو باطل، ولذلك كان القرب من أهل الباطل مانعاً من إصابة الحق لتأثره بهم وبأحكامهم وبأوصافهم في أنفسهم وفي المؤمنين، لأن القرب مؤذن للإعتذار للباطل، كما هو شأن المفتي أو العالم إن اقترب من السلطان، حتى مع اسلامه وتحريه للحق، فكيف إذا كان مرتداً كافراً، ولذلك فلا عجب أن تتغير أحكام الناس في آخرين إن حصل لهم بعض الخير على يدهم أو يد تابعيهم، فهذا رجل قد قتل مرتداً كما قتل مسيلمة، ثم يتغير الحكم ليصبح شهيداً كعثمان بن عفان قد قتل مظلوما، والزعم أن هذا سببه تغير الإجتهاد جهل وغلط، لأن السبب هو تغير منهج الحكم ومرجعيته، وفهم اهل العلم لذلك جعل ابن تيمية يقول للناس وهو يدعو لقتال التتار: لو وجدتموني معهم فاقتلوني، أو ما في معناه، ولم يقل قد يتغير اجتهادي، فالوقائع التي ارتابوا فيها بين الحكمين ليست قريبة الشبه، بل هي بين الردة والإيمان، فهل يشتبه أحد بين مسيلمة وعثمان حتى يتغير الإجتهاد؟! هذا مع زعمهم أن قواعدهم الدينية لم تتغير، فهل تغير علمهم بالموصوف وبان لهم إيمانه الخفي، وسعيه واجتهاده في اصابة الحق في سره ونجواه؟! نعوذ بالله من الجهل وسوء الخاتمة.
إن طريقة الصحابة في ذكرهم: نزلت الآية في كذا على المعنى المتقدم تجدد لأهل الإيمان والعلم والتقوى أن يقولوا:- إن هذا الحدث اليوم داخل في هذه الآية، وكأنها نزلت فيه، وليس هذا من التألي على الله، ولا من القول على الله بغير علم، هذا مع تقوى الله وذكر الدار الآخرة والعلم بالقرآن والوقائع.
﴿انفروا خفافاً وثقالاً، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾
هذه الآية تؤكد أن الأمر بالنفير عام لكل المسلمين، فآيات التهديد ليست خاصة لقوم استنفروا في تبوك فتثاقلوا، بل إن النفير يجب على المسلمين، فهو خطاب الله تعالى لجميع الأمة، إما على وجه الوجوب العيني في ظروف معروفة في الفقه، وإما على الوجه الكفائي، فهذه الآية لم تترك لأحد عذراً بترك النفير، كما أن النفير لا يكون في صورته الأولى إلا جهاد طلب لنشر دين الله تعالى وتحقيق دخول الناس جميعاً تحت حكمه الشرعي كما هو تحت حكمه القدري، وهذه مهمة هذه الأمة المسلمة.
لقد شملت هذه الآية أحوال المسلمين جميعاً، فلم تستثن أحداً، وشملت أبدانهم وأموالهم، فاستوعبت المجتمع الإسلامي في داخل الأمر بالنفير، لأن هذه هي حياة هذه الأمة، وهذا عملها الذي وقفها الله عليه، وهو شرط الخيرية كما قال تعالى ((وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)).
لقد كانت رحلة تبوك تستدعي عند البعض الكثير من التحضير، والكثير من التأني والبحث عن الوقت الملائم لهذه الرحلة الطويلة، بعيدة الشقة، ولكنها جاءت على غير ما يتوقعون، فهي أوقات عسرة وشدة، وهي مسافة بعيدة، وهناك أمر لا يستثني إلا أصحاب الأعذار من المرضى والجرحى والعميان، فهو أمر يشمل الجميع؛ خفافاً وثقالاً، شباناً وشيباً، وأغنياء وفقراء، وركباناً وماشين، فهي آية بحثت عنهم كلهم حتى شملتهم، لا يستطيع أحد أن يختبئ عنها إلا منافق، ولا يفر من الأمر بها إلا من ظن أن عين الله لا تراه، فهذه تربية القرآن لأهله، وهذا هو اعداده لجنده الذين يستحقون أن ينسبوا له، فحين تقع الواقعات الشداد ينادي بعضهم بعضاً: "يا أهل القرآن" لا يعنون من حفظه لفظاً، ولا من جوده ترتيلاً، ولا من