الكهف، وقبلهم خروج ابراهيم عليه السلام يخرج ناجياً كما قال تعالى ((ونجيناه إلى الأرض التي باركنا فيها)) فهي سيرة النجاة، وهي سيرة النصر لا كما يزعم خصوم القرآن، وخصوم المجاهدين اليوم، وتكرار ذكر الجنود الالهية من الملائكة في مواطن التأييد والنصر والنجاة لا ينبغي أن يقرأ كحدث ماض لا يسري بعد ذلك في الحياة، بل إن ذكره يعلمنا أمرين: أولاهما: أن هذا الدين منصور مؤيد، وأهله مؤيدون منصورون، فإن نجوا فبالتأييد، وإن ماتوا فالشهادة، وإن أسروا فللإبتلاء، ذلك بأن أمر المؤمن كله له خير، وثانيهما:- أنه يعلمنا كيف نقرأ التاريخ كله، لا ما قصّه القرآن فقط، بل لتضطرد السنة على ما يقع من أمثالها في البشرية، وفي حياتنا المعاصرة، فيعي الناس مناهج الحق، ورجال الحق، وجملة الرسالة، ووراث الأرض، ولا أقول أن هذا يتعين على كل من نجا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يصل بنفسه، فهذا لا يخطر على بال أحد يعرف قدر هذا الدين وسنة التاريخ، لكن هذه راية لا تقع حتى يتسلمها آخرون، بهم جميعاً يتحقق ما تحقق لرسول الله صلى الله عليه وسلم من نتائج، وهذا من معاني وزن الملائكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته فيكون وزنه في ميزانهم أكثر من أمته جميعاً كما قالوا عليهم السلام، فانصب قدمك، وقد عرفت الطريق، وانزع عنك الجبن والشك، وألق خلفك كل صرخات التخذيل، فمكانك أيها المسلم ينتظرك، فإن لم تأت فسيكون غيرك، وأما أنت أيها المقيم فالزم غرزك، وإياك أن تبدل أو تغير فيقع عليك العذاب الأليم.
﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم﴾
هذه الآية دليل على ما قدمنا من معاني النّصر، فإن خذلان الكافرين وعدم تحقيق مرادهم في المؤمنين هو نصر إلهي للمؤمنين، فقد مرّغ الله كلمتهم في التراب، وجعلها سفلى، فقد تأخرت حين سبقتها كلمة الله تعالى، وهي سابقة دوماً، لأن الله عزيز حكيم.
لقد غاب فعل المؤمنين عن مشهد الفعل سوى الثقة بالله- والهم الذي يملأ القلب بالحزن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الصراع حولهم دائراً بين إرادة الله تعالى وإرداة الكافرين، فأنجاهما الله منهم، فغلبت كلمة الله كلمة الكافرين.
هذا الحدث الإيماني العظيم يقصد القرآن على وجه الحق الذي لا ريب فيه، لكنه يمكن أن يقرأ على وجه الباطل الذي لا حق فيه كما يفعل اليوم دهاقنة الكفر- وزاعمي التحليل السياسي، وحراس الرذيلة، وسحرة فراعنة العصر من صحفيين، وخبراء ضلال، وحملة ألقاب، ونماذج قراءتهم لن أتعرض لها هنا لأنها تحتاج إلى مجلد خاص، ولذلك فإني عازم إن شاء الله تعالى على كتابة مؤلف معناه في عنوانه:- "إبراهيم عليه السلام يكسر الأصنام بين القصة القرآنية وبين رواية مجلة شعر" ومجلة شعر لمن لا يعرفها هي مجلة أنشأها مأجورين من مؤسسات الكفر والضلال في تحليل ودراسة الفعل الإيماني، وهي تحليلات يتلقفها بعض المسلمين جهلاً وانخداعاً بتزويق الباطل، لأن واقعنا يشهد هذه المناهج في الصحف والكتب ووسائل الإعلام، بل يلقيها بعض المشايخ والوعاظ في دروس العلم وهم لا يشعرون، فتأمل لو أن إبراهيم عليه السلام كسر الاصنام اليوم كيف سيقرأه هؤلاء، أرجو من الله أن يعينني عليه، لأن رد الأمة في تقييم الأحداث والوقائع إلى طريقة القرآن سبيل إلى إعادة إحياء هذه الوقائع الإيمانية، فقد كسر بعض المعاصرين الأصنام فبدل أن يروا في فعلهم وفعله إحياءً لملة إبراهيم ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ذهبوا يحللونه على طريقة