تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الإختصاص هنا فلأن الخطاب في الإبتداء متوجه إليه، والحديث يدور حوله، وقد ذكر نزول السكينة في مواطن أخرى على المؤمنين كما تقدم في حنين، وكما في سورة الفتح، فالسكينة نعمة ربانية ينزلها على المؤمنين، وكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اختص بها هنا ولم يذكر أبو بكر لا يعني خلوه عنها رضي الله عنه، ولو ذكر هو فيها لزعم أعداء الصديق أن هذا يعني خلو قلبه ابتداءً ولعدوا هذا نقصاً، كما جعلوا قول حبيبه له: "لا تحزن" نقصاً فيه، فهذا شأن الأعداء والخصوم حين يتمكن الغيظ والبغض من قلوبهم تعمى عن الحق ورؤيته.

﴿وأيده بجنود لم تروها﴾

هي جنود تنزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعاني العلمية وأعمال القلوب، من تعليمه وتثبيته بالوعود الإلهية والصبر والثبات، ومن جنود ينزلها الله على أعدائه بصرف عيونهم عنه، وصرف قلوبهم عن تتبعه إلى حيث يقدرون عليه، وهذه ينزلها الله بالملائكة الذين هم جنوده سبحانه وتعالى، وذكر الجنود ههنا في موطن الغار يدل على جلال وعظمة هذا الموقف، فإنه لولا هذه الآيات العظيمة التي يصدقها المؤمنون وتخبت قلوبهم لها وسيقت هذه القصة بتجريدها من هذه الآيات، في كون رجل اختفى في غار فلحق به أعداؤه حتى وصلوا الغار ثم لم يروا إلا أن يرجعوا، إما لظنهم صعوبة الدخول فيه لأن بعض الرحالة قديماً (كابن بطوطة في كتابه) يصفون الغار قديماً بأن المرء لا يقدر أن يدخله إلا زاحفاً على بطنه، بل لو دخله من جهة رأسه لم يستطع، إنما لابدّ من الدخول من جهة رجليه لئلا تعترض كتفاه الباب من ضيقه، أو لما ورد من أخبار من نسج العنكبوت وبيض الحمام، وهي أخبار ضعيفة، ثم ادعى أحدهم أن هذا وقع بنزول الملائكة وتأييدهم لتبسم لذلك أقوام، لأنهم لا يرون ذلك شيئاً، فهم قوم لا ينظرون إلى يد الله تعالى مع الدعاة والمجاهدين لقلتهم، إذ تبهرهم الحكايات الكبيرة، والصور الضخمة، والجيوش الجرارة، والحشود الكاثرة، ولا يلتفتون إلى معنى الإيمان في الحدث، أهو فيه أم لا، وهو جهل بمعاني القرآن وقيمه في تقييم الأحداث والوقائع.

لقد كان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين يدي قريش وهي لا تملك أقماراً صناعية، ولا مجسّات تجسس، ولا رصد في كل الطرقات، ولا مناظير ليلية تخترق ظلمته، ونزلت جنود الله تحميه حتى لا يقع في أيديهم، فكيف لا يقال اليوم إن جنود الله وملائكته لا تنزل على المجاهدين وقادتهم حين يفلتون من حصار هو كالطوق والأسورة على المعصم في وقائع يسمعها الناس ويرونها؟!

سيبتسم أقوام استهزاءً بهذا القول، لأنهم يرون افلاتهم هو هروب الجبناء وقد كذبوا، بل هو نجاة القادة الذين يغيظون الأعداء، ويديمون الوقود للطريق حتى تقع أقداره التي يحبها، ولأن في نجاتهم برهان صدق أن دينهم هو دين النبي صلى الله عليه وسلم وطريقتهم هي طريقته، ولتكون آية للمؤمنين أن الكفر مخذول مع قوته، وأن الإيمان منصور مع ضعفه، ولتكون برهاناً يقذف في قلوب الجبناء الذين يحسبون كل صيحة عليهم، وأن الكفر بهم محيط، وأن الوهيته شاملة للأرض لعلهم يعتبرون بذلك، ويدركون أن جبنهم ناشئ عن الوهم، وعن تخويف الشيطان فيتوبون.

إن نزول الملائكة يكون في كل حدث وموقعة يتحقق فيها مراد المؤمنين في الكافرين، ويتم خذلان الكافرين من الوصول إلى أهدافهم في المؤمنين، فهذا موسى عليه السلام يخرج مع ((شرذمة)) قليلة كما سماها فرعون، وليس كما تقول التوراة المكذوبة أنهم كانوا بمئات الآلاف، وهؤلاء الفتية من أهل الكهف (سبعة وثامنهم كلبهم) يخرجون بإيمانهم إلى

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣١٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣١٥