أراد الهجرة إلى الحبشة فرده قائلاً: والله مثلك لا يخرج ولا يُخرج يا أبا بكر، ثم وصفه بما وصفت أمنا خديجة رضي الله عنها رسول الله لما أتاه الوحي:- إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
وإن شئت أن تعلم مقدار علمه ويقينه فقارن بين كلامه في صلح الحديبية مع الفاروق وهو يراجعه في شأن الصلح وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعلم أي رجل الصديق في هذا.
رضي الله عن أبي بكر الصديق فوالله إني لأحب هذا الرجل النحيف، الدقيق الجنأ (وهو من أشرف كاهله على صدره)، أما حدته التي يضعها الفاروق فهي الحدة التي تبعث قارئ أحداثها على البسمة، فهل يملك المنصف إلا أن يبتسم، وعائشة الصديقة تصف كيف دخل عليها في غزوة المريسيع لما أقامت على قرط لها من أظفار تبحث عنه، فاحتبست الناس، فشكوا إلى أبيها ما فعلت إذ أقامتهم في مكان لا ماء فيه، فدخل الصديق محتداً عليها يلكزها، وقد نام رسول الله على رجلها، فلم تستطع التحرك لمكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حتى لا توقظه، فيستيقظ رسول الله جنباً فلم يجد الماء، فنزلت آية التيمم فقال سعد بن عبادة: ليست هذه بأول فضلكم يا أبا بكر.
ومن لا يبتسم وهو يلاحق عبده وقد أضاع الجمل الذي عليه زاده وزاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ويبستم.
وكذلك قصته مع ابنه وحدته عليه حين أرسله ليطعم بعض فقراء أهل الصفة فلم يأكلوا حتى يأتي أبو بكر وهو ساهر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حصل فيها من كرامة بركة الطعام.
وحدته على أمنا عائشة وقد دخل عليها تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرها، فقام إليها حتى منعها رسول الله منه، فلما خرج جعل يقول: كيف منعتك من الشيخ، وجعلا يضحكان، فدخل عليهما الصديق:- فقال أشركاني فرحكما كما أشركتماني في غضبكما.
وأخرى وأخرى يقرأها المرء فيبستم لهذا الشيخ الجليل الذي أتعب من بعده كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهي حدة كذلك تكون فيها معاني إيمانية يكرم الله بها هذه الأمة، تتعلم منها، كما حدث في آية التيمم، وكما في بركة الطعام مع أهل الصفة، وكما في ممازحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمنا عائشة الصديقة رضي الله عنها، فهذا رجل مبارك، لا يخلو له موقف إلا وفيه الخير له ولم تعلم منه وأراد الهدى. اللهم إنه لا يبغض أبا بكر إلا منافق، كافر القلب واللسان، سافل المرتبة في الرجال والقيم.
- ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله﴾
زعم بعضهم أن اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسكينة في هذا الموطن دون الصديق يقدح في مرتبته رضي الله عنه، هذا مع قول بعض أهل التفسير أن الضمير هنا يعود على أبي بكر، والصواب أنه يعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم.