هذا الدين هو طريق الغمرات التي لا تنتهي، فحين تنجو من واحدة فانصب قدمك لأخرى، وهيأ حياتك بأن ما هو آت هو عين ما ذهب أو ما في معناه حتى تأتي يوم القيامة راضياً مرضياً، لكن حين ينجو المرء من موجة عاتية فيجلس في البر طالباً السلامة فقد خسر، وانهزم، لأن ارادته قد كسرت وتحقق مقصد أعدائه فيه، ولو تابع المرء طريق الفاعلين في التاريخ، مسلمين وكافرين، لرأى أنهم قد مرّوا في ظروف قاهرة توحي للناظر أن شأنهم قد انتهى، وأن أمرهم إلى زوال، ولكن لقوة إرادتهم وتصميمهم يعودون أكثر عزيمة وإصراراً ووعياً على أنفسهم وعدوهم فيكون لهم العاقبة، وأهل هذا الدين هم أولى الناس بهذا الأمر، وأحق الناس بهذه الصفة، فلا تكسرهم لحظة كون، ولا لحظة قرر عدوهم فيها أن يبعدهم عن ساحة المدافعة، لأن العبد لا هوى له مع أمر سيده، ولا اختيار له مع تدبيره، فهو عبد الله لا يعجز حتى يأتيه الموت ويحصل له الرضوان.
لقد كسرت إرداة كثير من العاملين للحظة عاشوها من لحظات الغار فخرجوا من الساحة، ولكن جاء غيرهم فلم يضروا إلا أنفسهم، نعوذ بالله من الخذلان.
- ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن﴾
لقد تكلم أهل العلم رحمهم الله تعالى حول هذه الآية وما فيها من خصائص للصديق رضي الله عنه، وكل واحدة من هذه الخصائص لو استقل بها لكان حرياً بمنزلته التي يعرفها المؤمنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، وأبو بكر هو الصديق حقاً وصدقاً، وكلما تفكر المرء في جانب من جوانب العلم أو العمل لرأى أنه المقدم فيه لا يدانيه أحد بله أن يسبقه، فهو إمام في فهم كتاب الله، ومن أشد الناس في زمانه انتزاعاً لآياته عند النوازل والمحن والحوادث، والفاروق عمر مع وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لو كان في هذه الأمة محدثون لكان عمر، إلا أنه لم يكن يدرك شأن أبي بكر في هذا الباب، وهو الذي يحضر السنن النبوية إن غابت عن المجموع العالم الفقيه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إمام المعبّرين للرؤى في زمانه، وأما الدين والتقوى فليس هناك أرق منه قلباً حين يقف بين يدي ربه ولا أسرع دمعة، ولا أكثر منه ورعاً في تحري الحلال، أما الكرم والبذل فيكفيه شهادة إمامه وسيده رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم ينتفع بمال أحد كما انتفع بمال أبي بكر، ولا لأحد عليه منة في مال إلا ما لأبي بكر، أما الشجاعة فقد شهد له علي بن أبي طالب في ذلك يوم بدر فقال فيه: إنه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشاً فقلنا: من يكون مع رسول الله لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس. وهذه الآية تشهد له بذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن الحزن، مع أنّ المتبادر إلى الذهن أن ينهاه عن الخوف في هذا الموقف، ولكن لم يكن في قلب الصديق الخوف على نفسه حتى ينهاه عنه، بل امتلأ قلبه حزناً أن حبيبه سيؤخذ عنه حين تقدر عليه قريش فتحبسه أو تقتله، فلا يدري المرء ما يقول ههنا؛ أيعجب لشجاعته أم يعجب لهذا الحب الذي ملأ قلبه لسيده حتى يحزن عليه من مفارقته، فسبحان من يصنع هذه القلوب ويهديها، وسبحان من اختار لأعظم خلقه أعظم البشر بعد الأنبياء صاحباً وحبيباً وخادماً وخليفته، ويحق للصديق ذلك فهو كصاحبه إن وصف، فقد وصفه ابن الدغنة لما