تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قدميه لرآنا)) ـ يعني أن لهذه اللحظة خصوصية النّصر، وفرادة الموقف، فهي اللحظة التي اقتربت فيها يد قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي تبدو للناظر انتهاء القضية، وحسم هذا التدافع والصراع بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، فكأنها لحظة تلقي كل معنى التقدم الذي يحققه هذا الدين، فمكتسباته لا تعني في تلك اللحظة أنها عصية عند الإزالة، بل هي ما زالت في طور الضعف الشديد الذي يمكن أن تباد وتذهب، ولم يكن من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق إلا الكمون حتى تذهب الأرجل الذي تطلبه، فحاله عليه الصلاة والسلام مع صاحبه لا يحتمل إلا أن يبقى ليقع النّصر، وهذا بعد ثلاث عشرة سنة من الدعوة إلى الله، وهي حالة على نفس نسق الأحزاب فيما بعد في هذا المعنى، وهذا بيان واضح أن ارتفاع البناء لتحقق الوراثة لا يعني أن يسير على نسق واحد يحمل معلم الجمع الذي يراه كل ناظر، لأن هذه اللحظات من الإبتلاء تلقي في روع البعض كأن الطريق في بدايته لم يحقق شيئاً، إذ لا يمكن لهؤلاء إلا أن يقولوا لو كان هذا الأمر يتقدم ويسير إلى نصر ووراثة وتحقيق وعود لما كان أمره على الوجه في هذه اللحظة، سواء كان في الغار أو في الأحزاب، ومع ذلك فإن حقيقة الأمر أن هذا الدين في نصر وسير نحو الوراثة حتى مع وجود هذه اللحظات.

قدر هذا الدين وأهله وجود هذه المعاني، فقد يؤسروا، وقد يعيشوا حصاراً في مكة، وحصاراً في الغار، وحصاراً في الخندق على طول المسيرة، ولا يعني هذا أبداً أن ينسوا أنهم يسيرون لتحقيق الوعود الإلهية، وهذه المعاني النبوية التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ستتوزع على أمته، وعلى تاريخها، وعلى رجالها، فيجب عليهم أن يستحضروا أن وجود هذه اللحظات ليس عودة إلى الوراء ما داموا في هذا السبيل، وإنما تكون العودة إن تركوا دين الله تعالى وتركوا هذا الطريق.

هذه اللحظة في الغار أعطت معنى من معاني الخصوصية لهذا الدين، وهو رعاية الله تعالى له، وحفظه لأهله، وليس معنى أن يحفظ الله هذا الدين وأهله أن يكون كل واحد منهم عصياً عن القيد، عصياً عن قبض أعدائه عليه إن أراد الهجرة والجهاد، عصياً عن القتل إن قبضوا عليه، لكن معنى هذا أن الطريق باق بمن يبقى، عصياً أن يقع مراد الكافرين فيه وفي بقائه في الأرض، فمن قتل فهو شهيد، ومن أسر في سبيل الله كما قال تعالى ((والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقاً حسناً وإن الله لهو خير الرازقين، ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لهو العليم الحليم))، ولن يستطيعوا تقييد الجميع ولا قتل الجميع بل سيبقى من يصل إلى الوراثة بفضل الله تعالى كما تحقق ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه.

- هذا المعنى في لحظة الغار، إذ اقتربت يد قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نجاته بفضل الله تعالى تحمل معنى تربوياً مهماً لحملة هذا الدين، أي أن يثقوا بالله، وأن يتابعوا الطريق، لأن البعض ممن يجهل قدر هذا الدين إن حصل له هذا الحدث حمد الله على النجاة ثم أزمع النية وعقدها أن لا يعود إليها، فيكفيه أنه نجا منها هذه المرة، فمن سيضمن له النجاة مرة أخرى، وهذا نراه في واقعنا كثيراً ممن تكسرهم التجارب وتثنيهم عن عزائمهم، وخاصة إن وصل الإبتلاء إلى هذه اللحظة من الذروة، ولو فهم هؤلاء أن المقصد لم يقع، بل لا يمكن أن يقع قط حتى يأتي المرء اليقين، فيلتحق بالرفيق الأعلى لكان في هذه النجاة زاداً لهم أو قوة تدفعهم إلى مهمات أخرى تنتظرهم.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣١٢