هذا هو موضع الآية وذكرها للهجرة، واستحضارها والنبي صلى الله عليه وسلم يستنفرهم لتبوك فيتثاقل البعض عنه، فهذه مسيرة هذا الدين، يذهب الله به إلى قوم يكون النفير حياتهم، ويكون الجهاد دأبهم، فإن تخلوا عنه بعد ذلك رحل إلى غيرهم ولم يطب له المقام فيهم، ولن تخلو الأرض من مجاهدين وأرض جهاد، وكلما حمله قوم كانوا هم الطائفة المنصورة، وكانوا هم الغرباء، وكانوا هم نزاع القبائل، كما جاءت أوصافهم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد ذكرت الهجرة في معرض التهديد والوعيد إن تثاقل قوم عن الجهاد بأنها سلاح رباني حاضر في نصرة هذا الدين، لا يستقر بشرعية التاريخ أنهم كانوا يجاهدون، بل شرعية في الحضور في كل وقت أنهم يجاهدون الآن، فهذا دين لا يرفع قوماً كانوا أهل جهاد ثم تركوه، ولا أن آباءهم كانوا حملة الجهاد فغير الأبناء طريقهم، بل إنما يرفع من رفعه جهاداً في الوقت الذي يحياه ويعشيه، فإن تركوه سيهجرهم هذا الدين إلى قوم آخرين، وسينصره الله بهم، وأما هم ((يعذبكم عذاباً أليماً)) وكفى بهذا عذاباً عليهم حين تهجرهم العزة، ويحل عليهم بدلاً منها أن تغزى بلادهم، ويطأها أعداؤهم، ويصيروا إلى ذلة وهوان.
ولذلك فمن الخطأ تصور النصر الذي أوجبه على نفسه لنبيّه ولهذا الدين أن يكون على غير هذا المعنى إن تخلى عنه قوم وركنوا إلى الدنيا وتركوا الجهاد، فسنة الله مع هذا الدين أن يجريه على معنى السنن القدرية، والتاريخ يثبت هذا، فما تخلى قوم عن الجهاد والنفير إلا وأقام الله بدلاً منهم من ينصر هذا الدين من أقوام آخرين وبلاد أخرى.
لقد حمى الله هجرة الحبيب المصطفى من أن تتكرر، وحمى الله أهل المدينة من ترك النفير، وتحقق فيهم الخيرية والوراثة، ووقع النصر الإلهي لهم، وهذه هي التوبة التي تابها الله عليهم كما سيأتي في قوله تعالى ((لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار)) إذ حماهم من المعصية فلم يلجوها، لكن يمكن أن يقع هذا للداعي في وقت من الأوقات، فيتخلى عنه وعن عصابته المجاهدة أهل الأرض التي هاجر إليها، أو كان منها، فالواجب عليه الإستنصار بقوم آخرين، ولابدّ أن يجد لوعد الله تعالى أن لا يموت هذا الدين، وأن لا تخلو الأرض من قائم بحجة الله، وهذا الذي قاله موسى عليه السلام لما تخلى عنه بنو اسرائيل فقال الله على لسانه:- ((قال ربي إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين))، فطلب موسى عليه السلام فراق القوم، لكن كان في علم الله تعالى أن تنتهي حياة موسى عليه السلام، فهذا هو قدر هذا الدين وهذا قدر أهله المجاهدين، لا ييأسون، ولا يعتبرون أن تخلي قوم عنهم فشلاً وهزيمة، بل المهزومون هم الذين يتخلون عن هذا الدين، ويتركون الجهاد في سبيل الله، وأما المجاهدون فهم في نصر لمجرد بقائهم وهم يحملون همه وطريقته وواجباته حتى يتحقق وعد الله تعالى، فإن هاجروا فهجرتهم هي النصر كما يقرر القرآن، وهذه المعاني يجب على المجاهدين أن يفقهوها قبل غيرهم، فلا يلتفتون إلى تقييم غيرهم إن حرم الله قوماً من نصرتهم والجهاد معهم أنهم فشلوا في هذه المرحلة وهذه التجربة بل هم منصورون بحكم القرآن فيهم ماداموا باقين على الجهاد.
- ﴿إذ هما في الغار﴾
الهجرة فعل كثير الأحداث العظيمة، وفي هذا الفعل تجلى معنى النصر في كل حركة فيه، من بدايته حتى نهايته، ومن قرأه علم كيف خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته، وماذا وقع له مع سراقة بن مالك بن جعشم، وأحداث أخرى معلومة في السيرة النبوية، لكن ذكر الغار، بل لحظة فيه عندما قال الصديق لسيده وحبيبه ((لو نظر أحدهم إلى تحت