- لقد سمى الله نجاة رسول الله نصراً، ونسبه إلى نفسه لجلاله وعظمته وأهميته، وواقع الهجرة هو خروج الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل المشركين كما قال سبحانه فيها- أخرجه الذين كفروا-، فالهجرة ليس فعلاً يصارع المرء فيها خصومه بالشدة والقوة فيغلبهم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم خرج متخفياً، متستراً، مستعملاً طرائقهما في النجاة من أعدائه، فحين تحققت النجاة كانت نصراً إلهياً، إذ فيها تحقق مراد المنتصر وفساد مراد المهزوم بغض النظر عن الوسيلة السننية التي اتبعها في الوصول إلى مراده، وهي النجاة، ويقال هذا لأن الكثير ينازع في هذا الفهم، ولا يتصور تسمية هذا الوصف نصراً، لغلبة هذا الاسم في أذهانهم على معنى معين، فلا يكون إلا بخوض المعارك ثم المرور على جثث الخصوم وافنائهم، وهذا فهم قاصر، فإن بقاء النبي صلى الله عليه وسلم حياً، ثم نجاته إلى مراده في تلك المرحلة من مراحل المدافعة بينه وبين قريش هو نصر إلهي، فمفهوم النّصر يجب أن ينظر إليه ضمن الظرف السنني، وما يمكن أن يقع فيه من غلبة أحد الإرادتين في هذا التدافع، وقد تقدم سابقاً أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم في النصر وتحقيق مقاصد الإسلام بالوراثة والاستخلاف لها ميزة فريدة وهي أنها تحقق هذا كله ضمن السنة التكوينية، فلم يحصل معه صلى الله عليه وسلم ما حصل لموسى عليه السلام عندما شق له البحر وأهلك فرعون، بل اختفى رسول الله في الغار، واقتربت أعين وأيدي قريش منه حتى سمع هو وصاحبه كلام المشركين، ولذلك فشرط النصر أن تتحقق هزيمة مراد العدو فيك وتتحقق إرادتك في نفسك أو فيه، ويقيّم هذا النصر ضمن الظرف السنني لك وله، فلا يطلب في البدايات ما يتحقق في النهايات، فنجاح الهجرة يجب أن لا يقارن مع غزوة خيبر، لأن المقارنة بينهما في المطلق دون اعتبار طرف كل حدث مفسد في التقييم والاعتبار، ومن المعلوم أن البدايات أشق، لكنها أهم لأنها ترسي القواعد، ولذلك لا تبدو في لحظتها ذات أهمية كبرى إلا بعد أن يكتشف الناس تلك المعالي الكبرى التي استقرت عليها، فما الإنسان إلا نطفة تمنى، وما التاريخ إلا حركة رجل واحد لخطوة أولى تدخل فيها عيون الكثيرين ولا تقيم لها شأناً.
- لقد علمنا أن الهجرة هي انفراد النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الفعل، فأهل المدينة لا يملكون إلا فعل الإنتظار على مشارفها، وهي فعل في أكثره نحو الذات أي النجاة، وغزوة تبوك فعل نحو الآخر، أي خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى مشارف الجزيرة العربية، فكيف نفهم هذا التهديد إن حصل أن ترك أهل المدينة النفير معه؟
تصور واقع هذا التهديد لا يخضع للاحتمالات بل له حقيقة واحدة، إذ أن استحضار نصر الله لرسوله في الهجرة في التحضير لغزوة تبوك وحصول التثاقل يؤذن أن المسيرة يمكن أن تعود إلى بدايتها، لأن الهجرة كانت بسبب عدم استجابة لقريش لدعوة التوحيد، وستعود الهجرة جذعة جديدة إن ترك أهل المدينة النفير، وهذا تحقيق لما تم التهديد به في الآية السابقة ((يستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً)) وهؤلاء الجدد من المؤمنين المدخرين في عالم الغيب وصفوا في المائدة:- ((يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم))، فقريش أخرجته لعدم استجابتهم للتوحيد، وإن أعرضتم عن الجهاد فسيخرج من بينكم مهاجراً إلى قوم هم بدل عنكم ليجاهد بهم في سبيل الله تعالى، ولذلك فلا عجب أن تتوقف الهجرة من مكة إلى المدينة لتحولها دار إسلام مع بقاء النفير والجهاد لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا))، فإن ترك أهل المدينة الجهاد هاجر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلد وقوم يجاهدون معه، وسينصره الله بهم كما نصره بكم لما هاجر إليكم، وسينفرون معه إذا استنفرهم.