وجهل هذا الرجل أن أمر هذه الآية كقوله تعالى في تخيير نبينا في الأسرى: ((فإما منّا بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها)) فالتخيير بين أمرين حين يأذن به الله يكون الأخذ بأحدهما هو الأخذ بحكم الله، لإذنه سبحانه وتعالى فيهما على وجه التخيير، كما قال سبحانه وتعالى في كفارة اليمين المنعقدة:- ((فكفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة)) وقوله سبحانه وتعالى في مهر من طلقت قبل الدخول بها وقد فرض المهر عند العقد أو بعده قبل الطلاق: ((فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أن يعفو الذي بيده عقدة النكاح))، فحين خير الله ذا القرنين بين الأمرين إنما خيره بين حكمين، كما يخير الله ولي القتيل عمداً بين القصاص أو العفو، فمن أين لهذا المجترئ على الله القول بأن المسلم في زماننا مخيّر بين الأخذ بحكم الله أو الأخذ بغيره؟!
والحق أن الذين يعرضون عن فقه السلف وقواعدهم إنما هم دون غيرهم يفتحون للزنادقة أبواب الشر، لكنهم لا يشعرون لهذا ابتداءً، لما في قلوبهم من محبة بعض الأقوال والميل إليها، واتفاق أهوائهم معها، فيفرحون إن وجدوا ما يؤيد هذه الأقوال من قواعد لا يحصونها ولا يعرفون مآلاتها وعواقبها، وهذا من ضعف العبودية وصدق الإمتثال.
وهذا له أمثلة كثيرة تحتاج لمجلد كبير لاستقصائها وشرحها، وفي زماننا هذا لا ينجو إلا من برئ من هواه، وترك موافقة رغبات الناس، وأعمل عقله في ما يسمع ويرى، وقرأ كثيراً في كتب الأولين، وأدام النظر في كتاب الله تعالى، وتضلع إلى حشاشه بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يخف في الله لومة لائم، وتذكر رضى الله والدار الآخرة في ما يقول ويفعل، فمثل هذا يرجى له النجاة إن أفتى أو تكلم، وقليل ماهم، فإن قال قائل: هذا شأن العلماء الربانيين، فما شأن العوام وهم أكثر الناس؟ فيقال:- إن العامي لا ينجو حتى يتأمل حال مفتيه في دينه وورعه، وفي تعظيمه للشرع وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي هجره مواطن الفتن وأماكن الريب، وفي استدلاله بقال الله وقال الرسول، وفي مصدر رزقه وطعامه، وفي صدقه في كلمة الحق إن تعينت عليه، ولن يعدم العامي من معرفة إمارات الحق أو بعضها، فإن للحق نوراً وللباطل ظلمة، كما في الأثر: إن الحق أبلج والباطل لجلج، والله الهادي سواء السبيل. فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء.
اللهم إنا نسألك شرح الصدور، ونعوذ بك من ضيقها وحرجها.
{إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله
معنا، فأنزل الله سكينته على رسوله وأنزل جنوداً لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم}
هذا في سياق الوعيد الإلهي إن ترك المسلمون النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وهي عامة لكل من يظن أن الإسلام بحاجة إليه، ولا يقوم إلا به، حيث يذكر الله عباده بأمر الهجرة، هذا الحدث العظيم الذي تحقق فيه النّصر لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن أنجاه من كيد قريش، وبلغه مراده بالوصول إلى المدينة وهذه الآية فيها قضايا عدة هي النور والهدى لمن تفكر فيها ومنها:-