والزنادقة مقالاتهم، تماماً مثلما كان الأمر قديماً مع المتكلمين، حين صارت مقالاتهم التي لا تبطل باطلاً ولا تحق حقاً مدخلاً لإبطال نصوص الشريعة، فأهل التأويل هم باب الباطنية، وكل قول قالوه صار هو عمدة تأويل كل الشريعة كما تقول به الباطنية، لأنه لا يمكن للمرء الذي يطلق كلمة باطلة أن يقدرعلى ضبط آثارها، فكيف للمرء أن يقول: يجوز تأويل بعض النصوص على قاعدة واحدة هي قاعدة الحق والأخذ بما توجبه لغة العرب من الخطاب، والفريق الآخر الذي يرفض التبعيض فيرى أن قانون التأويل يصح في كل النصوص، وهذا هو قانون الباطنية، ولذلك من صدق بأن المتكلمين مخانيث فكر، أي أنهم يريدون الجمع بين الشيء وضده، وهذا غلط، واليوم يفتح فقهاء التيسير والعمل بالمصالح على الوجه الذي يفسرونها باب الغاء الشريعة للزنادقة وهم لا يشعرون، كما فعل أسلافهم، لأن قواعد المصالح هي قواعد مقبولة لعموم الناس مؤمنهم وكافرهم، ومن دون ضبط أحكام الشرع لرؤى العقول في إدراك المصالح يفتح باب التشريع على خلاف الشرع، يقوله الزنادقة على وجه كليات البشر العامة من وجوب العدل وبغض الظلم، ويقوله فقهاء المسلمين على قاعدة اعتبار المصالح في تحقيق منفعة الإنسان، وأن ذلك مراد الشرع، وكذلك أمر فقه التيسير، وهو فقه التلفيق الذي يقوم على قاعدة تصويب المجتهدين، وهي قاعدة الضلال كما كان الأوائل يسمونها.
ولو فتح باب النّسأ هذا، وستجد من يفعله ويعممه سيصل الأمر والحال إلى ما قاله الزنديق محمد شحرور في كتابه الكتاب والقرآن من أن نصوص القرآن تحمل دلالات ومعاني لم يكن وقتها وتاريخها قد حان زمن النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ستظهر في أوقات قادمة ومتأخرة عنها، فالذين يقولون إن آيات الجهاد والسيف قد نسأت آيات العفو والصفح فأجلت العمل بها لتاريخ قادم هو عين الذي يقوله هؤلاء، لأنهم يستطيعون القول بأن كل الأحكام الشرعية قد نسأت الأصل الذي كانت عليه أحكام العرب قبل البعثة إلى وقت تعود فيه هذه الأحكام الجاهلية لوقت آخر.
هل هذا بعيد.
لا أظن، لأن هناك من قال ما هو أشد من ذلك، فقد سمعت لأحدهم قُدِّم أنه مجتهد إسلامي، ومجدد معاصر، وباحث جاد يقول بأن القرآن قد أصَّل للعلمانية، ويحتج بقوله تعالى في سورة الكهف عن ذي القرنين ((حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوماً قلنا ياذا القرنين إما أن تعذّب وإما أن تتخذ فيهم حسناً)).
فقال فضّ الله فاه كما فض قلبه من الإيمان وعقله من الفهم:- إن الله أذن لهذا الحاكم أن يعمل في هؤلاء القوم رأيه الذي يراه فيهم دون أن يرجع لأمر الوحي، وهذا هو أصل العلمانية، لأنها تعطي للناس الحق أن يقولوا من الأحكام ما ينفعهم دون سنة الوحي وحجته.
وقال بارك الله في مبغضيه:- إن سورة الكهف جعل الله خاتمتها عاصمة من الدجال (وهذا حق)، ولذلك فأحكامها هي أحكام الأزمان المتأخرة، أي أزماننا هذه، وبالتالي فما قاله الله لذي القرنين هو حكم الله لأهل هذا الزمان في جواز أن يقولوا ويشرعوا من الأحكام من غير دليل الشرع ونصوصه.
وهكذا صارت العلمانية هي حكم القرآن كما يقول هذا المجدد!! الزنديق.