اتكأ بعض المعاصرين على كلمة لأبي بكر المعافري في تسمية هذا النوع الذي يسمونه نسخاً بالنّسأ في احتجاجهم بأن الجهاد اليوم صار مؤجلاً لحضور الحكم السابق بالعفو في قوله تعالى ((فاعفوا واصفحوا)) وبالجنوح إلى السلم إن جنحوا له، وغير ذلك من الآيات الداعية إلى هذه المعاني، والعجب من هؤلاء كيف ينقبون على أي كلمة تسعف مرادهم بالطعن في الجهاد وطريقه في زماننا، من أجل دعم رؤاهم الداعية إلى مناهجهم، وبعض هؤلاء يزعم الإنتساب للسلف دون أن يكلف نفسه العودة إلى فقه السلف حقاً، والحق أن الدعوة لفقه السلف أي الصحابة والتابعين والمقتدين بهم دعوة دين وصواب لكنها تحتاج إلى علماء ربانيين، أصحاب عقل وإدراك وبصيرة، استطاعوا أن يهضموا مقالات السابقين وفتاواهم ليصدروا منها إلى كلياتهم التي كانوا يعقدون عليها فروعهم، كما فعل الإمام العظيم محمد بن إدريس الشافعي في كتابه الرسالة وهو الكتاب الذي لا تجد له ذكراً إلا القليل في كلام دارسي الأصول هذه الأيام، لأن الأصول اليوم صارت عند أهلها مجرد فهم للمصطلحات، لا ملكة إدراك تسري في عقل الفقيه لضبط فتاواه وعلومه، ثمّ بعد أن تستوعب قواعد السلف (أقصد الصحابة والتابعين خصوصاً) يصار إلى عرض ما يقوله المتأخرون من قواعد وأصول، لأن المحققين يعلمون أن علم الأصول هو من أكثر علوم الشريعة تأثراً بالمنطق الأرسطي، تماماً مثل علم الكلام الذي هو علم العقائد في مصطلح المتأخرين، فالدعوة إلى فقه السلف لا تكون حقاً إلا بالعودة إلى كلياتهم وقواعدهم التي بنوا عليها الفقه، لا مجرد ترديد فروع الفقه الذي نقل عنهم، وأنا أدعو طلبة العلم إلى قراءة كتاب الصفدية لابن تيمية رحمه الله تعالى، لأن فيه التنبيه على بعض ما يعتري الفقيه من خلائط تؤثر على فقهه وفتاويه، وضرب على ذلك مثلاً بحكم البغاة، إذ قال فيه ما معناه: إنه لغلبة الفسق على البغاة في زمن بعض الفقهاء جعلهم يحكمون على البغاة بالفسق، والأمر ليس كذلك، بل قد يكون البغاة أسلم ديناً ممن خرجوا عليه، وهذا يدل على دخول التاريخ في الفقه وهي قضية يجب التنبه إليها حين تنقل نوازل هؤلاء العلماء، أي أن تقرأ من خلال زمانهم، أقصد الفتاوى لا الأحكام التي تستفاد من الكتاب والسنة، لأن هذين المصدرين حق في كل زمان ومكان كما نبه على ذلك في الإضاءة الأولى.
ما قاله ابن العربي في تسمية هذا النوع نسئاً خطأ، لأن النسأ هو التأجيل، أي قد جاءت أحكام متأخرة أجلت الحكم السابق لوقت آخر، وهذا المعنى بهذا الإطلاق باطل، لأنه يعني أن ينسخ المتقدم المتأخر في وقت قادم، وابن العربي إن أراد هذا فقد أخطأ وإن أراد أنّ هذا الحكم المتقدم لم يرفع بالكلية، لكن تغير واقع النبي صلى الله عليه وسلم رفع الحاجة إليه، مع بقائه أصلاً في حكم الله تعالى فقد أصاب، لأن ما يسمونه نسخاً ليس كذلك على معنى النسخ عند المتأخرين، بل هو تخصيص على ما قدمت سابقاً، فإن عاد مقتضاه عاد حكمه لبقائه وعدم رفعه بالكلية، وعلى هذا يكون المعنى حق لا غلط فيه.
لكن انظر إلى نموذج الإعراض عن فقه السلف، وعدم العلم بمعنى مصطلحاتهم إلى أين يصير بأصحابه، ثم انظر إلى نتائج إحداث ألفاظ جديدة في علوم الشريعة كيف يصل بالمقلد، أو صاحب الهوى إلى أقوال باطلة في دين الله، فهذه كلمة قالها واحد من أهل العلم لا تجد له متابعاً في ما طبع من كتب القواعد والأصول، فيفرح لها صاحب هوى، فيطير بها ويجعلها ركناً يرتكز إليه في إبطال أحكام شرعية يقينية لا ينازع فيها إلا ضال، ويجعلها سبيلاً لوجوب ترك الجهاد- نعم وجوب ترك الجهاد- لأن الأصل هو عدم وجوبه لكن جاءت أحكام نسأتها لحين، ثم جاء الوقت الذي يجب عودة الأحكام للأصل، وهذا الذي يقولونه لا يدرون كم يفرح الزنادقة في بلاد المسلمين، ولا يعلمون أنهم بهذا يؤصلون للمرتدين