تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مال له فيه شبهة الملك، كمن سرق من مال أبيه، هذا مع خلاف البعض في التسمية، وهي مسألة لفظية بحتة في بعض جوانبها، كخلافهم في أخذ المرأة من مال زوجها بغير إذنه بالمعروف هل يسمى سرقة أم لا.

في عام الرمادة سرق جماعة من الموالي بعيراً لسيدهم وأكلوه، فشكاهم إلى الفاروق، فلم يُقم عليهم الحد، فقال المعاصرون:- غيّر عمر حكم الله تعالى في عام الرمادة، وقال الفقهاء:- تغيرت الفتوى بتغير الزمان، والسبب أن المعاصرين يريدون شبهة ولو يسيرة ليبرروا للمبدلين تغيير أحكام الشريعة واستبدالها، وأما الفقهاء فإنهم على بيّنة من ربهم.

قال الأوائل:- إن للمولى شبهة تملك في مال سيده، إذ له حق الطعام والكسوة والكفاية بالمعروف، ولهذه الشبهة لم يقم الفاروق عليهم الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وقال آخرون:- إن سيدهم منعهم حقهم في عام الرمادة فلم يكفهم في طعامهم فأخذوا ما منعوا من حقوقهم كأخذ هند بنت عتبة من مال زوجها أبي سفيان بغير إذنه لما منعها حقها، فالفاروق أعمل حكم الله لأن هذا هو حكمه في هذه الواقعة بزمانها ورجالها، ولا اختصاص لعام الرمادة بالحكم، فلو كان الفاروق قد أسقط حكم السرقة مطلقاً في هذا العام لكان لكل أحد أن يسرق ولا يعاقب، وهذا لا يقوله أحد يعقل ما يخرج من رأسه.

إن كان الأمر كذلك- وهو كذلك- فإن ما قالوه من نسخ كثير من الآيات لا يصح إن كان النسخ بمعنى الرفع، لأنه يمكن الجمع بينها وذلك بانفكاك الجهة، أي أن تعمل كل آية في زمانها ومكانها، فهذا أول ما يوجبه النظر والفقه والأصول.

فلو طبقنا هذا على آية السيف لوجدنا أنها ليست ناسخة لما قالوا على معنى النسخ عند المتأخرين، لكنها رافعة لعموم الآيات التي ذكروها، إذ أنها أتت بحكم جديد لم يكن معمولاً به قبل، بل كان غيره شاملاً لهذا الجزء من الحال الذي نزلت على وصفه.

أما لماذا رجحت قول من قال إن هذه ((إلا تنفروا يعذبكم)) منسوخة بقوله تعالى ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، فلأن حمل الآية على العموم ثم القول بنسخها ((أي رفع العموم)) أولى من قول ابن جرير إنها خاصة ابتداءً، فإمام المفسرين ابن جرير ردّ النسخ بأن آية النفير خاصة، ونقل بعض الآثار أن المقصود بها إما قوماً بعينهم استنفرهم رسول الله فتثاقلوا فجاءهم الوعيد، وإما ان النفير واجب على كل أحد لا يكون إلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما إن كان غيره هو الذي يستنفر الناس فلا تشمله هذه الآية، والذي يقويه النظر إن هذه الآية عامة، وأن النفير واجب على مجموع الأمة، فهو حياتهم، يقوم به أهل الكفاية في جهاد الطلب، وتقوم به كل الأمة في جهاد الدفع، فإن تركت الأمة النفير، سواء الكفائي أو العيني وقع هذا الوعيد، فهي آية في لفظها عامة يراد منها العموم، أي أن تنفر كل الأمة في كل وقت، ثم جاء التخصيص إن حصل النسخ فهو مرجوح لعموم اللفظ أولاً، ولإبقاء معنى هذا العموم أنه واجب من الواجبات الشرعية التي تخاطب بها الأمة جميعاً لأن هذا هو شأنها وهذا مقامها في القرآن الكريم كله، تقوم به في كل وقت بحسب حكمه إما الواجب العيني وإما الواجب الكفائي، وكلاهما خطاب للأمة.

اضاءة:

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٠٦