تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نقل ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري القول بنسخ هذه الآية، ورده بأن هذه الآية نزلت في قوم مخصوصين استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزو، وليست عامة في المسلمين حتى يكون قوله تعالى ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة)) نسخاً لها.

والذي أراه أن القول بالنسخ صحيح لكن على غير معنى النسخ الإصطلاحي الذي يذكر في كتب الأصول، وتفصيل هذا الترجيح كالتالي:-

من المعلوم أن كلام السلف وخاصة الصحابة والتابعين يجب حمله على مرادهم لا على مراد من جاء بعدهم، لأن كثيراً من المصطلحات تتغير مدلولاتها من طبقة إلى أخرى، وهذا في كل العلوم، وهو مشهور معلوم لمن تتبع ذلك، فكلمة النسخ عند الأولين كانت تعني مطلق الرفع، سواء كان جزئياً أو كلياً، وهذا بخلاف ما استقر عليه المصطلح بعد ذلك، إذ صار النسخ هو رفع حكم كلي سابق بحكم كلي لاحق، فإنْ حمل كلام عكرمة والحسن على هذا المعنى كان القول بالنسخ خطأ ولا شك، ولغياب هذا التفريق بين مفهوم الأوائل للنسخ وبين مفهومه عند المتأخرين ردّ الكثير من أقوالهم، ولوجود فهم خاص للمتقدمين لكلمة النسخ كَثُر عندهم القول بالنسخ لآيات القرآن، ومن نظر في كتب الآثار وجد هذا واضحاً حتى قال بعضهم إن آية السيف (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) نسخت مائة وأربعة وعشرين آية، ثم قالوا:- ثم نسخ آخرها أولها، ومن المعلوم أن النسخ ليس ما يصار إليه أولاً في عمل الفقيه والمفسر بل يكون أولاً الجمع ثم النسخ ثم الترجيح وإلا فالتوقف، هذا مع أن القول بالنسخ يحتاج إلى شروط منها أن يكون النّص مما يمكن وقوع النسخ فيه ثم معرفة التاريخ لتمييز المتقدم من المتأخر.

فابتداءً يكون بالجمع، والجمع يبدأ العمل به بانفكاك الجهة، أي حمل كل نص على واقعة لها خصوص فيكون كل نصٍّ فتوى، وعلى هذا المعنى يكون قول ابن القيم وغيره:- تتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، وليس كما يزعم الجاهلون أن المراد هو تغير الحكم الشرعي مطلقاً لتغير الزمان والمكان، والفرق بينهما كبير، ولنضرب مثلاً في الحادثة الشهيرة من فعل الفاروق بعدم إقامة الحد في عام الرمادة لأنه مما كثر الإحتجاج بها على وجه اللعب بدين الله تعالى.

من المعلوم ضرورة أن حد السارق هو قطع اليد، فهذا حكم الله تعالى الذي لا يجوز لأحد أن يشرع بدلاً منه قولاً أو حكماً، ومن فعل ذلك كان كافراً، لكن قد يسرق الابن من أبيه، والشريك من مال الشركة التي شاع ملكه فيها، وقد يسرق الوارث من مال الإرث الذي شاع نصيبه فيه، وقد يسرق الضيف من مال المضيف الذي امتنع عن ضيافته الواجبة، وصور كثيرة تملأ حياة البشر تدخل في مسمى السرقة، وكل حادثة لها زمانها ومكانها، ليس على معنى الزمن أي الوقت ولكن بمعنى ما فيه كقوله تعالى في الحديث القدسي: "لا تسبوا الدهر فإني أنا الدهر" أي مقدِّر حوادثه ووقائعه، وكذلك المكان، فالمفتي والقاضي ينظر لهذه كله ليرى موانع الحاق الحكم الشرعي بآحاد الفاعل، إذ قد يحجب الحكم كلياً أو جزئياً، كما هو الشأن في الإرث، فقد يحجب كلياً أو جزئياً لوجود مانع، فالقاتل لا يرث، والكافر لا يرث المسلم، وهكذا، فهذا لا يقال فيه: تغيّر الحكم الشرعي، واستبدل بغيره كما يزعم أهل الضلال والجهل في زماننا، بل هذا يقال فيه تغيّر الفتوى لوجود المانع، أي بتغير الزمان والمكان، ولذلك يرى بعض أهل العلم عدم إقامة حد السرقة على من سرق من

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٠٥