لنفسه أن يضعف ويسهو أو يغير، وهذا حق لا مرية فيه، إذ كانت الوراثة دوماً تقع على حملة هذه الصفة الجليلة وهي راية الجهاد في سبيل الله تعالى، ارتفعت بها شعوب وأمم وأقوام، وبرز بها رجال وقادة، وسجلت أسماءهم في كتب التاريخ لهذا الفضل، وكما غير الأبناء وبدلوا جاء غيرهم وحملوا الراية، وكم رأينا من يقوم بها أقوام يأتون من الغيب الذي لا يتوقعه أحد، ومن مناطق لا يأبه لها أحد، فبالجهاد تقذف إلى عين الوجود وصرة العالم، وقطب الإهتمام، وواقع الأمة يشهد على هذا، والأمثلة كثيرة لمن تأمل.
ترك الجهاد موت، ومن يأبه للموتى في هذه الحياة، والجهاد هو الحياة الحق التي قدم فيها أهلها روح الوجود وحركته، فبأفعالهم مع قلتهم إلا أنهم يضبطون ايقاع حياة البشرية على أفعالهم وأقوالهم وقراراتهم، ويحسد الحاسدون بأنهم"شرذمة قليلون"، ويستصغرهم الغافلون، وأما العقلاء حتى من أعدائهم فيعرفون أنهم هم من يضبط الفعال التي تهز أرجل الشيطان وخططه ومشاريعه.
إن الله تعالى هو الفعال لما يريد، وهو الذي يبارك في القلة، وينزع التأثير من الكثرة، فالله لن يضره ذهاب أولئك الذين يزعمون أنهم يقودون الحشود الكثيرة من المسلمين الغافلين، ويسوّمون أنفسهم بهذا الأمر ليقبل بهم الشيطان والجاهلية، ويتغنون أن المجاهدين قلة معزولة لا تأثير لها، فهم يعلمون أن كثرتهم هي مجرد أرقام سلبية لا يستطيعون بها أن يبدلوا حركة الحياة، لكنهم يستخدمون حيناً في سوق العرض من قبل الجاهلية لصرف الناس من المسلمين عن حياة المعالي والوراثة، فهم أرقام لغير المسلمين لا للإسلام، وهي في أحسن الأحوال مجرد أرقام ساكنة لا فعالية لها في حركة الوجود.
إنهم لن يضروا الله شيئاً في إيقاف إرادته إن توجهت أن يرث المؤمنون الأرض، فبآحاد من المجاهدين تنشأ أمواج الحراك في الأرض لتسقط دول، وتتعرى مبادئ، فتتغير خريطة القوى في الأرض، ويتم الإعداد للوراثة على عين الله، وتبنى سفينة النجاة، وأما هم فيسخرون منهم يوماً بأنهم قلة، ويوماً أنهم في شعث الجبال، ويفرحون هم أن أرقامهم كثيرة، وأنهم مطلوبون في سوق السياسة الجاهلية، ولابدّ أن يأتي اليوم الذي يستدعون فيه.
لكن من عجائب هؤلاء المستبدلين الذاهبين أنهم يستمدون شرعية وجودهم بأنهم جاهدوا يوماً، وأنهم قالوا كلمة الحق يوماً، وقد صدقوا لكن نسوا ما هم عليه الآن، وبقاؤهم اليوم لا يعني بقاء الوارث بل بقاء القادر على مسايرة الظروف كالأميبيا ودود الأرض.
إن من قواعد الحياة أن الكبار العظماء لهم طريقان؛ إما الوراثة وإما الشهادة، وهذه خاتمة المجاهدين، لا يقبلون بغيرها، وأما المتملقون والصغار فسيطول بقاؤهم لكنه بقاء الراضي بالعيش في الهوان ودنايا المقامات، ولذلك قالوا إن من أسباب محافظة الديدان على وجودها وعدم انقراضها أنها تتقن العيش في أماكن الهوان، فسبحان من جعل أهل الدين وحملته حقاً يؤثرون في العالم مع قلتهم، وجعل مخالفيهم لا أثر لهم وإن كثر أعدادهم ككثرة غثاء السيل.
إضاءة: