إن في الواقع الكثير من الصور التي يمكن للمرء أن يراها في هؤلاء، وسيكون منهم أذى، لكنهم سيذهبون غباراً يحدث بعض العطاس ثم سيحمد أهل السرى أن ذهب هؤلاء لأنهم كما قال تعالى ((لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة)).
﴿ويستبدل قوماً غيركم﴾
إن هذا الجهاد اصطفاء واختيار، ونعمة ربانية تسري في الوجود يوقعها الله على قوم فيهم خاصية الوعاء لهذه النعمة، ووالله لقد رأيت في هذا الطريق خصال أهله، فهم أهل شجاعة وكرم، وأهل غيرة دينية جلية، تقض مضاجعهم أخبار الأمة، يتململ أحدهم غيظاً من صنائع الكافرين في بلاد المسلمين، إن وقعت عين أحدهم على امرأة مسلمة باكية من ظلم الظالمين بكى لرقة قلبه وسرعة دمعته، وإن رأى نصراً للمسلمين أو خيراً فيهم انبسطت أساريره فرحاً لنعيم لا يصل إلى يده منه شيء، فقلوبهم حية لم تمت غيرتها ولا انفعالاتها ولا عاطفتها.
أما أعداء الجهاد اليوم فإني أشهد الله أني رأيت فيهم صلف قلوب وجمود عيون، لا يهتم الواحد منهم لأمر من الأمور إلا بمقدار منفعته أو منفعة جماعته، ولا يهتز قلبه لمآسي المسلمين، بل في قلوبهم دياثة جلية، إذ تعجب له كيف يطلب من الأمة الحكمة المزعومة وهو يسمع سب الله وسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلب من الشباب الإنكفاء إلى دنياهم وهم يرون نساء وأطفال وشيوخ المسلمين يقتلون أمام بصره، فأي قلوب في جنوب هؤلاء أصحاب حكمة الجبن والبخل والعجز؟! أقول هذا في الأغلب والأكثر وإن كان البعض مأسوراً لجهل وتقليد ورباط التاريخ مع جماعته.
إنهم يعيبون على أهل الجهاد غيرتهم، ويعيرونهم بها أنهم أصحاب حماس زائد، وقد صدقوا فهم وراث الصحابة الذين لا يرون الدين أبداً يقف أمام غيرتهم على أعراضهم وحرماتهم، فهذا سعد بن عبادة رضي الله عنه يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم:- لو وجدت مع أهلي رجلاً لم أقسَّه حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال سعد: كلا، والذي بعثك بالحق إن كنت لأعالجه بالسيف قبل ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- ((اسمعوا ما يقول سيدكم، إنه لغيور وأنا أغير منه والله أغير مني))، ولو وقعت هذه النوازل لأحدهم اليوم لأمره بالتروي والصبر وكفّ الأذى مخافة السجن أو القتل أو التغريم، لأن الغيرة ماتت في القلوب إلا من قلوب المجاهدين وأحبابهم، وصار الموت في سبيل الدين والعرض رمياً للنفس والتهلكة، وقتل ساب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تهوراً، والإنصار للأمة ضياع للجهود ولقوم لا يستحقونه، فهذه قواعدهم اليوم، ثم يأتي السؤال لماذا صرنا في مؤخرة الركب ونهباً لكل سارق.
﴿ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير﴾
لقد خلق الله الخلق وهو غني عنهم، فهو سبحانه وتعالى القدوس الصمد الذي لا ينقصه كفر الكافرين، ولا تنفعه عبادة العابدين، فالله سبحانه وتعالى يخلق الخلق بكلماته، ويهدي الناس بأمره ورحمته، فإن أعرض قوم فهو غني عنهم ولا يرضى لهم هذا الإعراض، وهو قارد أن يبدل غيرهم فيأتون لهذا الدين، أوفياء له، يقومون بحقه خير قيام، واعتقاد المسلم المجاهد بهذا الأمر وتذكره له في أوقات المحن والشدائد ضروري لأن هذا الإعتقاد يحفظ عليه استقامته، فهو خائف من الإستبدال، وكأنه في مربع من الخيرات والنعيم فإن زالت قدمه عنه جاء غيره وملأه، فحاله حال المراقب