إن ساحة الصراع لا تقبل الفراغ، وفاعلية هذا الدين وحضوره لن تفنى ولن تذهب، والذين يطلبون من الأمة ترك الجهاد بحجة عدم القدرة حيناً، أو بحجة عدم وجود ظرفه السنني، أو بدعوى عدم جدواه إنما يريدون في الحقيقة إفناء هذه الأمة حتى يفرغ الأمر لأعدائها حضوراً وتأثيراً وقيادة، وهذا من أعظم الفساد في الأرض.
هؤلاء سيذهبون، لكن سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، فهذه الآية يقولها الله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين أرسوا دعائم الدين، ووطنوا قواعده وأسسه، ثم يأتيهم التحذير إن تركوا الجهاد أن يقوم له غيرهم، ويأتي في كل زمن- وفي زماننا- من يظن أنه بمجرد أن أكرمه الله وأعزه حين صار يوماً مع الجهاد، ثم صار له تقدماً وإمامة أن لو ترك الجهاد سيلحق به الناس، وهؤلاء لا يعلمون- لشدة جهلهم- أن الجهاد هو الذي رفعهم، وليس العكس، فهم يظنون أن الجهاد صار له سوق بهم، مع أنهم يقرؤون قوله صلى الله عليه وسلم:- ((إن الله يرفع بهذا الدين أقواماً ويضع به آخرين))، فهم الذين يرتفعون بالدين لا العكس، وهم الذين يضرون أنفسهم إن تركوه ولن يضروه شيئاً.
إنها آية تعلم أهل القرآن أن ساحة الجهاد يجب أن تكون حاضرة شرعاً وقدراً، وقد حذر الله المعرضين بأن بدائلهم جاهزة لتأخذ مكانهم، ووالله لقد رأينا في زماننا هذا من يقيمه الله من الشرك ثم يمضي به إلى مقام الجهاد والشهادة في شهور قليلة، وهي دلائل أن هذه السنة حاضرة تهدد الذين يظنون أنهم عمد الدين وقواعده، فإن تخلوا عنه ذهب وغاب.
لقد ختم الله سورة محمد بهذا الإنذار والوعيد فقال سبحانه وتعالى ((وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم))، يقولها ربنا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم خير الخلق بعد الانبياء، يدفعهم بذلك أن يتمسكوا بهذا الغرز، وهذا الطريق، فليسوا هم خير من يقوم به، لكن لرحمة الله بهم اختارهم هم، ومن كان هذا حاله فإن شكره لله أن يبكي بين يدي الله تعالى أن لا يغير قلبه، ولا يقلبه إلى غير هذا الطريق الحق، وفي سورة المائدة هدد الله وأنذر عباده إن ارتدوا بالإستبدال فقال: ((يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)).
فهذه آيات ثلاث تتحدث عن الإستبدال، وكلها تتضمن قيام البدل بالجهاد في سبيل الله تعالى، فدل هذا على أن الأمة التي ترث هي أمة الجهاد، وأن الأمة التي تقوم وتبقى هي أمة الجهاد، وأن الجهاد هو شرط بقاء الأمم وحياتها ودوامها، ولا يمكن أن يقفز إلى التاريخ إلا من خلال هذا السبيل وهذا العمل العظيم، والذين يطلبون من الأمم الوداعة والسكون إنما يطلبون لهذه الأمة الإلغاء.
هذه الآيات وإن كانت إنذاراً لكنها كذلك بشرى أن دين الله باق، وأن في علم الغيب عند الله رجالاً لن يسمعوا للمخذلين، ولا لفتاوى الضالين، مهما تزينت مقالاتهم وأكاذيبهم من حجج العقل الحالم، وافرازات النفس الجبانة البخيلة.
الجهاد في سبيل الله تعالى حالة إنسانية يدرك قيمتها أصحاب العقول الفطرية السديدة، ويعرف أهميتها أصحاب البصر بالتاريخ الإنساني وحركة الوجود، وينفعل معها الذين يسمعون هذه الآيات فترتجف قلوبهم من هول الإنذار والتهديد، ويديم الثبات عليها الذين لا يقفون أمام اللحظات السريعة الماضية بل الذين يرجون الدار الآخرة، ويرون ببصيرة عقولهم وقلوبهم وعد الله لهم بالتمكين مهما طال الطريق.
لكن حين يتم الإستبدال كيف نتصور حال المستبدلين؟ وماذا سيقولون لهؤلاء الوراث الجدد من الفتيان؟