هذا أمر يتعلق بالأمة، وبمجموعها، ويتعلق بأفرادها ورجالها، والقائم فيه هو من أعذر إلى الله وبرئ من العقوبة.
النفير والجهاد عند المتثاقلين عذاب وألم، وجوع وموت، ولكن القرآن يقرر أنه بترك النفير يقع العذاب الرباني، فالنفير فيه آلام الإنسان الذي يسعى للمعالي، وترك النفير فيه عذاب الله تعالى وعقوبته، وسنن التاريخ وواقع أيامنا يدل على بعض آثار هذا العذاب الدنيوي قبل الآخروي، لأن ترك النفير هو سكون الكسول، لكنه كذلك مستنقع الأمراض والعقوبات، وإن أقل العذاب الذي تحياه الأمة اليوم بترك الجهاد هو أنها صارت كالقصعة بين يدي اللئام، وهانت في عيون أخس أعدائها، وضرب الله قلوب بعضها ببعض، وغياب حقيقة الدين وحب الدار الآخرة، ومصائب لو وقف المرء لعدها لاحتاج إلى مجلدات ليصل إلى بعضها، ومما لا شك فيه أن البعض سيقول إن للجهاد كذلك مشاكله، وهذا حق، لأن هذه هي سنن الحياة، لا يخلو شأن من شؤونها من فتنه التي تحتاج إلى تسديد ومراجعة وإصلاح، لكن شتان بين العارض الذي يقع من لوازم حركة الحياة السديدة الصحيحة، وبين المرض الذي يحدث بسبب مصادمة سنن الحياة وقواعد يحملها، فالأول عرض يعالج في وقته، ويزال كأثر طارئ، لكن أمراض ترك الجهاد تذهب في عمق الأمة، وعمق التاريخ، ويكفي أن نذكر أنّ الله سبحانه وتعالى ضرب الصغار والذلة والتيه على بني إسرائيل أربعين عاماً بسبب تركهم الإستجابة لنداء نبيهم موسى عليه السلام في دخول الأرض المقدسة، فأمراض ترك الجهاد تمضي إلى الجذور وإلى الأجيال وإلى عمق المجتمع، ثم هي تذهب في شمولها كل نواحي الحياة، لأن حركة الأمة مع الجهاد هي كحركة الماء التي تنقيه وتحافظ على نقاوته، فهي تبعد عنه أسباب الفساد كما تحافظ عليه طهوراً لغيره لأن شرط الإصلاح القدري للماء هو أن يكون نقياً ليعمل عملية النّحر كما يسمونها، فإذا اختلطت فيه أسباب الفساد فقد هذه الخاصية.
﴿ليعذبكم عذاباً أليماً﴾
إنه العذاب الذي يذهب في العمق، وينخر في البناء، أي في مقصد وجود هذه الأمة، فتفقد الأمة خيريتها ومرتبة الشهادة التي هي أشرف المراتب، لأنها تتحول إلى أمة مريضة، مشغولة في همومها وآلامها، وتطبيب جراحها التي تنشأ من داخلها ومن أعدائها.
إن العذاب هي الأمراض التي تعرفها المجتمعات، وتكون سبباً لهلاكها أو انزوائها على هامش الحياة، لأنها تفقد التأثير والقيادة، والجهاد وحده هو الذي يحقق زوال الأمراض التي تعتري هذه الأمة، فالجهاد ليس فعلاً بعد التطبيب والإصلاح، بل هو نفسه الدواء الذي يصلح الأمة ويذهب عنها عوارض الفناء والتهميش.
لقد هربت الأمة من الجهاد مخافة القتل، فاستحر فيها القتل وهي في مكانها خاملة، وتركت الجهاد مخافة ذهاب المال فصار مالها غنيمة لأعدائها، وترك الجهاد ايثاراً للكسل والخمول فتحولت إلى سخرة يرمى شبابها إلى العمل في أخس وأحقر الأعمال في المشرق والمغرب، فهل في هذه الدنيا أعظم للشعوب والأمم من هذا الألم؟!
﴿ويستبدل قوماً غيركم﴾
هذه صفة من صفات أمة الإسلام، فهي أمة الحضور وعدم الغياب، وهذا قدر هذا الدين، فهو باق بقيمه وحين يقع الذهاب يكون الذهاب والغياب في القبائل والبلدان والشعوب حين تتخلى عن الجهاد في سبيل الله، فإن وقع التخلي ينتقل هذا الدين وعمله إلى أوفياء جدد له يقومون بحقه.