تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للإختيار والهوى، إذ أن العبد لا يكون كذلك حتى يخضع لأمر سيده باطناً وظاهراً، ويكون أمر سيده مقدماً على ما يحب ويكره، ولذلك حفت الجنة بالمكاره، لأن الله جعل الهدى مقابل الهوى فقال سبحانه عن المشركين ((إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى))، ومما يؤسف له أن هذا الضلال قد شاع وانتشر، وهو من المسائل التي يجب أن يعاد التجديد فيها من خلال القرآن قبل أن تلتقط كلمات من هنا وهناك قالها أهل العلم على وجه خاص ومعنى فرعي.

إن الآخرة في مقصد الخلق، وهي مقصد بعثة الأنبياء، وربحها هو الربح كله، وخسارتها هي الخسارة كلها، ومصلحتها هي المصلحة المعتبرة، وكل فعل لا يرجو صاحبه منه الآخرة والفوز فيها لا يكون ديناً، وكل فقه لا يراعي هذا الأجر الأخروي لا يكون فقهاً إسلامياً قط، ولذلك من إحياء فقه الدار الآخرة، وإن من الجهود التي قلما يعتني بها الدارسون اليوم هو إعادة ربط الفقه بالتوحيد وبالدار الآخرة، إذ لو بذل أهل العلم والفقه والأصول في تجلية هذه القضية بعض وقتهم وأبحاثهم لكان في هذا خير عظيم، ولتبين مقدار انحراف الكثير من طرف افناء المعاصرين اليوم واختياراتهم، وهذه القضية تبدأ من القرآن أولاً وآخراً، وفي ذلك إحياء لفقه القرآن الكريم والسنة النبوية إحياءً حقيقياً.

﴿إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً، والله على كل شيء قدير﴾

لقد تم عرض النفير في الآية السابقة كوضع يصادم حب الدنيا والرضى بها، وأنّ النفير هو طريق الآخرة والفوز فيها، ثم كانت هذه الآية تحذيراً ربانياً في نتائج الإعراض عن النفير، وعواقب ترك الجهاد في سبيل الله والتثاقل إلى الأرض والرضى بالدنيا.

إن هذه الآية تعرض النفير والجهاد في سبيل الله على وجه العبادة المحضة التي لا حظّ للإنسان فيها قط، فهي أمر رباني يجب امتثاله ككل الأوامر الإلهية، وعواقب تركه كعواقب أي معصية كبرى يقترفها أصحابها، ولذلك فإن ترك الجهاد ليس اختياراً للإنسان بترك المعالي والأمور وقبوله ببعض مراتب البقاء المقبول، إذ يتصور البعض أن الجهاد هو دعوة للقمة والذروة، والنفير فضل يسلكه أهل الإحسان، مع وجود مراتب غيره مقبولة لنوع من أنواع الحياة البريئة من العذاب والعقاب، وهذا غلط كامن في نفوس كثير من الناس، سواء كانوا قادة فكر أو عوام، وهم يترجمون هذا التصور على وجه ما، يركبون فيه أن الجهاد حالة تفزع إليها الأمة بعد اتكمال وجودها، وتأمين قدراتها، ثم بعد ذلك تسعى نحو الفضل والذهاب نحو الذروة والقمة، والآية ترد هذه عليهم، لأنها تجعل الجهاد عبادة واجبة، وبمجرد ترك الأمة لها يكون العذاب، ويقع الإلغاء لها ليكون هذا الإلغاء سبباً لبروز غيرها، لأن ساحة الجهاد في قدر الله تعالى لا تقبل الفراغ، فهي جزء كبير من واقع التدافع الكوني الذي لا يتخلف أبداً وجوداً وقدراً.

حين تترك الأمة النفير والجهاد فإنها تعذب، وهذا يعني أنه لا يمكن البناء ابتداءً من غير جهاد، لأن العذاب عقوبة ربانية تعطل تحصيل المنافع أو إدراك نتائجها، بل هي تحصِّل ضدها لزوماً، فمهما سلك المصلحون سبل الإصلاح فلن يدركوه إن كانوا في حالة عذاب رباني، أي إن تركوا الجهاد في سبيل الله تعالى، وهذا دليل على أن الجهاد حالة ابتداء في مسيرة الإصلاح، وليس حالة انتهاء، فأمره هو جزء من التوبة التي هي شرط الدخول في تحقيق الوعود الإلهية بالتوفيق والقبول والتسديد والهداية، فحين يسأل الناس متى النفير يجب أن يكون الجواب: الآن، وصدق هذا يكون امتحاناً بين المؤمنين والمنافقين وذلك في قوله تعالى ((ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة)).

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٣٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٣٠٠