تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يرضى المرء بالحياة الدنيا وينشغل بها، ويجعلها همه الذي يقيم له كل أوقاته وإرادته يعني أن الآخرة ليست من نصيبه، وليس هو من أهلها.

﴿فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾

هذا القليل جاء وصفه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه الذي رواه مسلم أنه قال: ((ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع))، فهذه هي الحقائق القرآنية التي يجب أن تسري في نفوس أهل هذا الدين، وتستقر فيها، لا مجرد كلمات وأفكار عقلية، بل تصبح هي ميزانهم في اختياراتهم وحياتهم، وعلى أساسها يقوّمون الربح والخسارة، ومن خلال مصلحة الآخرة يكون ميزان التحسين والتقبيح، والحل والحرمة، فالفعل يزن حسناً بمقدار ما يحصل من منافع، وحقائق الوجود تكون أولاً بالتكامل القائم بينها، ولكن قلما يوجد في هذه الحياة خير محض أو شر محض، بل إن خيرها مختلط ببعض الضر، وشرها مختلط ببعض المنافع، وإدراك الناس للخير والشر بمعناهما المطلق غير خفي، إذ قلما يلتبس أمرهما على الأسوياء، لكن كما قال أهل العلم إن التفاوت في مدارك الناس يكون في إدراك خير الخيرين وشر الشرين، فلو أن الدنيا تجردت عن الشر وكانت خيراً محضاً ثمّ كان هذا الخير يقابل خير الآخرة بخلوده وكماله لكان العقل الفطري الشديد يقتضي ويوجب اختياره للآخرة وعدم الإهتمام قط بهذا النعيم الزائل، ولذلك كان اختيار الأنبياء لهذا الأمر حتى في باب الفضل، دون أن يكون ما يترك من الدنيا حرماً أو مكروهاً، ففقر النبي صلى الله عليه وسلم كان فقراً اختياراً، فهو الداعي بأن يجعل الله قوت آل محمد كفافاً، وهو القائل:- "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل"، وهذا من تمام عقل واختيار هذا النبي العظيم، وحياته هي أكمل الحياة التي يحبها الله لعبيده وأصفيائه وأوليائه.

هذه الحقيقة القرآنية ليست وعظية يقبل عليها أهل الإحسان دون غيرهم من عموم المسلمين كما يظن البعض، بل إنها حقيقة يجب أن يكون لها وجود في عموم الفقه من عبادات ومعاملات وأخلاق، فذكرى الدار الآخرة التي تدفع حب الدنيا هي التي منعت ابن عمر رضي الله عنهما أن يفك حبوته ليرد على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وهو يلقي خطبته في تعيين ابنه يزيد خليفته من بعده فقال: "فتذكرت ما أعد الله للمؤمنين في الجنة فسكت"، وهي التي تجعل المرء يترك تجارته وماله ليسعى إلى ذكر الله تعالى إن سمع النداء، وذكرى الدار الآخرة هي التي تمنع الفقيه من اقتراح الحيل التي تلتف على الحكم الشرعي فتجعل الحرام حلالاً، ولو تأمل المرء دين الله كله لوجده مبنياً على هذا الأمر، أي تحصيل منفعة الدار الآخرة، ولذلك فالمتكلمون على المصالح اليوم وجعلها ديناً على وجه يرضي الكافرين بالدار الآخرة هم مزورون لأصل الدين وحقيقته، فالدين جاء للجم الشهوات لأنها طريق النار، وهؤلاء يجعلونها مقصوداً شرعياً معتبراً، ويقيمون أحكام الشرع في عمومها لتحقيقها، ويزعمون أن هذه هي كليات الدين التي تضبط فروع الشرعية، ولذلك فلا عجب أن يجرد الدين من حقيقته ويتحول الفقه إلى صورة اختيار من متعدد لتحقيق منافع الأشخاص الذاتية بحجة اليسر الديني، وهذه المسألة هي التي جعلت مسخراً اليوم لأهل الشهوات من حكام ومحكومين، ومتفرين وعصاة، وهي التي جعلت الفتوى حالة يسيرة هينة يدركها الجميع كما يظنون، ويدركها الأفراد بذواتهم في نوازلهم ووقائعهم، إذ كل ما يحقق لهم المنفعة هو دين، وهذه هي التي تتردد اليوم على ألسنة الفقهاء والأصوليين، وعلى أساسها سيحكمون في النوازل والوقائع، أما أمر الآخرة فهي لها تعلق بمصالح الدين، لأن الدين هو عبودية المرء لربه، والعبودية إلغاء

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٩٩