تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صورة معاكسة لذلك كله، فقد سمعت أحد الناشطين للدعوة إلى الله وإغاثة المسلمين في أفريقيا يشكو ويتألم أنه لم يجد شاباً مسلماً داعياً إلى الله يصمد معه في قرية من تلك القرى أكثر من ستة شهور، ويصف أن الواحد منهم يأتي متحمساً مصمماً فلا يلبث بعد شهور قليلة حتى يبدأ الشكوى ثم الهروب، هذا مع ما تدفعه مؤسسات العلم ومعاهده من طلبة علم ووعاظ ومدرسين بالمئات سنوياً، لكن أين هم؟! هذا لنعرف أن مرض حب الدنيا وضعف الإرادة وغياب هم الإسلام هو أمر حقيقي، وإن أعظم مظاهره هو ترك الجهاد في سبيل الله تعالى، والذين يتحدثون عن الدعوة إلى الله، ويجعلونها أصلاً لا حياة الأمة هم مصيبون ولاشك، لكن هذا القول يحتاج إلى تفصيل ليس هذا مكانه إلا أن من المهم أن يفهم هؤلاء معنى الدعوة إلى الله، وأنها تكليف شديد، لا كما يفهمها الكثير على أن الدعوة صورة من صور الهروب من الجهاد بالسيف والسلاح، ولا على معنى أن تتخذ الدعوة باباً من أبواب الرزق، ولا أن تكون الدعوة على معنى ترك كلمة الحق والموت في سبيلها، وغير ذلك من المعاني الباطلة، لأن الدعاة إلى الله على هذه المعاني قد كثروا اليوم، وتحولت الدعوة إلى الله بديلاً عن حقائق شرعية كبرى أهمها الجهاد في سبيل الله، وصارت وسيلة من وسائل الكسب والعيش، ولذلك تجد أصحابها يتزاحمون على مراكز المال في الدول الثرية دون غيرها، مع فقر شديد في أماكن الجهل التي تحتاجهم لا لسبب إلا لأن المال غير موجود هناك، وإن وجد فهو عزيز قليل.

لقد تحول طلبة العلم الشرعي إلى مجرد طالبي رزق كغيرهم، يقفون كما يقف كل واحد من طلبة الدنيا على أماكن لقمة الخبز، فهل مثل هؤلاء يعيشون هم الدين؟! وهل في قلوب هؤلاء تلك الغيرة الدينية التي حركت المصلحين في تاريخ أمتنا، فغيروا الناس وقادوهم إلى معالم الهدى؟!

أين زهد هؤلاء من زهد طلبة الحديث من أسلافنا، مع زعمهم أنهم طلاب حديث وأهل رواية؟! فهل هناك رجل من أهل الحديث في طبقات الرجال لم يعش الفقر وشظف الحياة، وأصابته الابتلاءات في رحلاته وتنقلاته؟!

أين جلد هؤلاء وصبرهم من جلد أولئك الرجال الذين حملوا هذا الدين وحفظوه ودونوه حتى وصلنا نقياً صافياً؟!

أين موقف هؤلاء من موقف السلف في شجاعتهم مع كلمة الحق التي كانوا يقولونها لأئمة المسلمين؟! ليذهب عشر هؤلاء المتمسحون بشعار الدعوة وطلب العلم إلى أقاصي البلاد حيث لا يوجد هناك من يعلمهم كيفية الصلاة، وليبتعدوا عن اماكن التخمة التي يتناظرون فيها حول مسائل الهيئات في الصلاة.

إن مشكلة حب الدنيا والرضى بها، وعدم الرغبة في الآخرة أكثر مما تتجلى في الأمة حين تدعى إلى الجهاد في سبيل الله تعالى فلا تقوم ولا تنفر، ثم هي تكون ظاهرة في كل قضايا الأمة وأحوالها، إذ تعود عليها بالفساد والخراب، وأشد من ذلك بعذاب الله تعالى، فلا تظنن أن قضية إعراض الأمة عن الجهاد هي حالة منعزلة عن نشاطها في ميادين أخرى كما يريد بعض أصحاب الشعارات الفارغة أن يصفوها، بل هي مرض يسقط الأمة عن ذروة سنام الإسلام، ثم يبدأ الهبوط حتى يصل إلى القاع لأن أمثال هؤلاء مثقلون ومتثاقلون إلى الأرض.

﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾

إن الحياة الأخرى لا ينالها الذين يؤثرون الحياة الدنيا عليها، وهذا دليل على أن ما قلته وسأقوله دوماً أن مشكلة المعرضين عن الدين هي مشكلة نفسية، أي مشكلة حب ورضا وإيثار، والذين يتخفون وراء الأفكار أغلبهم كاذبون، وها هنا فقد جعل الله دخول الجنان تتعلق بترك الرضى بالحياة الدنيا، والإقبال على الحياة الآخروية ووسائل تحصيلها، وحين

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٩٨