تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما فيه من إزهاق النفوس، وذهاب الأموال وفراق الأهل والأوطان، وهذا من خصائص هذا الدين، وهي من خصائص أهله، والتفكر في هذا جلياً يلغي الكثير مما يقوله الزنادقة عن الإسلام، فإنهم حين يعجزون عن تدميره، وحين يجبنون عن مواجهته صراحة فإنهم يتوجهون إلى تحوير وتحريف روحه، فيزعمون أن الأديان جاءت لخدمة الإنسان، أي شهواته، لا على معنى تحقيق مصالحه التي يقرها الشرع وخاصة مصلحة دخوله في رضوان الله تعالى وتحصيل جنتها والنجاة من عذابه وعدم دخوله النار، وهذا هي أعظم مصالح الإنسان وأجلها، بل هي مقصد وجوده في هذا الدنيا لا ما يزعم من عمارتها على معنى تزيينها وزخرفتها والتنافس في تحصيل ملذاتها.

إن التثاقل إلى الأرض يمكن أن يحصل لأهله متاعها، لكنه متاع زائل لا يدوم، بل سيأتي أنه سيتحول إلى عذاب على أهله كما في الآية التالية، ولكن المحقق من هذا أن فاعل ذلك سيفوته تحصيل الآخرة، وفي هذه الآية بيان أن شأن الجهاد هو شأن أخروي في أصوله وقواعده، وأما ما يحصل بعد ذلك فهو فضل زائد كما قال تعالى في سورة الفتح ((ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيآتهم وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً)) فسمى ذلك فوزاً عظيماً، لكنه لما جاء إلى أمر الغنائم جعلها آية على صدق الوعد بالنصر والتأييد فقال سبحانه ((وعدكم مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكفّ أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين، ويهديكم صراطاً مستقيماً)).

لقد قطع الله على المتثاقلين كل دعاويهم لأنه حصرها بحب الدنيا والرضى بها، لأنهم سيحتجون بالكثير من الدعاوى، ذلك لأن الإنسان يتقن التبرير، ولن ينقطع في زعمه ومقالاته، لكن الحقيقة التي يشكفها القرآن هي حقيقة الواقع التي تحياها النفس الإنسانية في رغبتها بالعاجل دون النظر إلى العواقب وما بعد الموت، فلذلك هي حقيقة واحدة هي حب الدنيا.

في زماننا، كما في أزمان الإنسان، يتخفى المتدينون أكثر من غيرهم وراء ستار الدين ومقاصده حين يؤجلون واجباته التي تفرض عليها من أجل تحقيق الدنيا وشهواتها، ادعاءً أن ما يسعون له يعينهم على تحقيق أهداف الإسلام ومقاصده، فيزعمون أن المال الذي يجنونه، ويسهرون على تكثيره وإنمائه لتحقيق منافع إسلامية، وطلاّب المناصب أمثالهم، بل إن كل من يسعى بشيء يزعم أنه يريد الإسلام من وراء ذلك، وتمرّ الأجيال، وتتعاقب الدورات، وتكثر الأموال بين يدي المتيدنين، فإن طلب منهم المال للجهاد بخلوا به بحجة أن هذا يضرهم، ويعرض حياتهم ومصالحهم لخطر الأعداء، وأصحاب المناصب أمثالهم، وهكذا، فيغيب الإسلام لتبقى الشهوة والدنيا مع غلاف ديني يسير.

أمتنا اليوم تحولت إلى غثاء كغثاء السيل كما وصفها سيدها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي في مرحلة خطيرة جداً، فالواجب أن تكثف الدعوة للإقبال على عمل واحد دون غيره هو الجهاد في سبيل الله تعالى، والإعداد له باعتباره مهمة حياة، ووظيفة أصلية، لا أن يكون تابعاً للغني المسلم والطبيب المسلم والمهندس المسلم، والفرق بين الحالين هو تعيين الأصل وهو الجهاد ورفد غيره به لا العكس كما يفعل المتدينون اليوم، ومما يؤكد زعم هؤلاء المتدينين أنه قد صار بل ومازال هناك ساحات جهاد تحتاج لأموال الغني المسلم وللطبيب المسلم ولغيرهما ولكن تجد أغلب هؤلاء أبعد ما يكونون عن هذه المواطن والعمل فيها.

تأمل حالة واحدة لها تعلق بالجهاد من جهة مهمته، وهي الدعوة إلى الله تعالى في بلاد المسلمين الفقيرة النائية، وهي المناطق التي ينشط فيها دعاة الكفر والشرك، إذ يتفرغ المرء فيهم سنين طويلة في القرى والغابات، يعيشون شظف العيش، وقسوة الحياة، واختلاف الظروف المعيشية، ولكنهم يصبرون على باطلهم، وحين يأتي الأمر إلى المسلمين تجد

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٩٧