رسول الله صلى الله عليه وسلم في هؤلاء وهو يقول:- "اتخذ الناس رؤوساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا".
﴿اثاقلتم إلى الأرض﴾
تأمل هذا اللفظ القرآني العجيب، وكأنه يصف أقواماً قد تكدست شحومهم فعجزت أرجلهم عن حمل أبدانهم، فكأن في أرجلهم دسر الحديد تمنعهم من الزوال، أو كأن هؤلاء القوم قد حملوا الأثقال الكثيرة فهي عالقة بأجسادهم وثيابهم، وتلقي بثقلها عليهم فتنحني ظهورهم ورقابهم منها، وهم يقيمون في أماكنهم، لا إقامة المرتاح المتخفف بل إقامة المثقل الذي يئن ويتألم حتى مع تسمره، لأن هذا حالهم، فهم وإن كانوا غير بارحين، إلا أنهم مثقلون متأملون يتصبب منهم العرق، وهو كحال من وصفه الله من علماء السوء بالكلب ((إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث))، وقد صدق الله فيهم، فإن ضريبة ترك الجهاد هي الألم، وإن كل ما يفرون منه فإنه ملاقيهم، فهم إن خافوا على أموالهم سلط الله عليهم أموالهم فجعلها عذاباً عليهم، وإن خافوا من الموت فإنهم يموتون مع كل صرخة وهيعة تقرع آذانهم، وهذا واقع الأمة اليوم فهي تئن مع جلوسها، وتصرخ ألماً مع بطالة نفوسها وكسلها، إذ تحول كل ما خافوا عليه عذاباً عليهم، وكان سبباً في أطماع الغير بهم حتى أخذ منهم وهم ينظرون إليه ونفوسهم تذهب حسرات.
لقد اثاقلوا حتى صغروا وهانوا فصاروا غثاءً، وتقاصروا عن المعالي حتى صاروا أفراخاً، فدخلت فيهم العيون، وهانوا حتى على دواب الأرض، وعلى أخس الخلق وأجبنهم، وهم الذين ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، وكيف لا يكون ذلك وموشى دايان يقول لشعبه ((وعلينا أن نكون مستعدين ومسلحين أقوياء، فإذا سقط السيف من يدنا حانت ساعتنا))، ويقول مشايخنا بحرمة الجهاد في سبيل الله، ويسمون المجاهدين بالفئة الضالة، ويسمون أفعال المجاهدين إفساداً في الأرض، فلا عجب إذاً أن نكون كذلك، ويكون أعداؤنا في المكان الذي هم فيه.
في بلاد المسلمين يعذب ويسجن ويعدم من يقتني السلاح، ويعذب ويسجن من يسعى للتدريب، وعند غيرنا، عند اليهود يكون الجيش هو المجتمع، والمجتمع هو الجيش، لأنهم يعلمون سنن الحياة والبقاء، وأما نحن فنعلم كيف نمشي على أربع، ولا يكون لنا من عمل إلا عمل الدواب؛ الأكل والشرب والسفاد.
إن هذه الحياة صعبة وشاقة، وكثيرة المفاوز، ومتعددة العقبات لا ينفع معها إلا المتخفف الذي إذا سمع هيعة طار إليها، أما المثقلون المتثاقلون فهم سيعيشون في أماكنهم، وسيموتون في أماكنهم، وسيأتي اليوم الذي يتحولون فيه إلى مجرد أجراء عند الغاصب، وفي أراضيهم هم، وفي ثرواتهم هم، لأن الذلة والصغار حكم الله على من ترك النفير في سبيل الله تعالى.
﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾
هذه قاعدة قرآنية، وهي قاعدة أصولية فقهية، وهي مع ذلك بناء نفسي في ترجيح المصالح الغيبية على المصالح الدنيوية، فهي آية يحتج بها على ما أجمع عليه أهل الدين والعلم والفتوى أن مصالح الآخرة مقدمة على مصالح الدنيا، فقد يحصل التضارب والتعارض بينهما فحينئذ المقدم هي مصالح الآخرة وجوباً لا مثنوية فيه، ومن أجل ذلك فرض الله الجهاد مع