الزخرف)، أن المترفين يعتمدون في رد الحق على أمرين؛ أولاهما:- المال الذي يملكونه، فإنهم يرون مانعاً من لحوقهم بالحق، وهذه قالها فرعون في رد دعوة موسى عليه السلام فقال الله على لسانه ((ونادى فرعون في قومه أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون، أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين، فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين))، وهي حجة صاحب الجنتين كما في سورة الكهف، فقد قال الله على لسانه ((وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً))، وقد حكاها الله في مواطن أخرى عن آخرين، أما الأمر الآخر الذي يعتمد عليه المترفون في رد الحق فهو اتباع الآباء وتقليدهم، وهي حججهم اليوم في رفضهم للإلتحاق بالحق وأهله، فمالك الرجال يحتج بكثرة أتباعه، وصاحب النسبة التاريخية والأسبقية الزمنية يحتج بها، وهكذا، فإن من ينظر إلى الحق فقط دون غيره من الهوامش التي لا تعود عليه بالإفساد أو الإبطال قليل من العقلاء والمحسنين.
إن للحق سمات، وهي عينها سمات المجاهدين اليوم، ولو تفكر أحد بهذه السمات في القرآن الكريم لوجد أن هذا حق لا ريب فيه، وهذا باب يطول لكن تفكر اليوم في التهمة التي توجه للمجاهدين أنهم فتية وشباب متحمّس، وأن مخالفيهم من الكبار، أو كما يسمون أنفسهم بالعقلاء وأهل التجربة، وقلب نظرك في القرآن في سمات أتباع الحق، ومن أي مراتب الأعمار هم، فأهل الكهف قال الله عنه: "فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى"، وأتباع موسى قال الله عنهم ((فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه)) فهم ذرية، فالحمد لله على توفيقه.
﴿انفروا في سبيل الله﴾
هذه الكلمات القرآنية فيها وحدها الكفاية في الرد على الذين لا يرون إلا جهاد الدفع، إذ أنهم يريدون من الأمة أن تكون خاملة نائمة، غارقة في هموم دنياها، ومعايش أهلها، كما يعيش بقية أهل الدنيا، فإن حصل أن طرقهم طارق من الخارج هبوا للدفاع عن أنفسهم، وهذا أمر في حقيقة الحياة يفعله كل أحد من المخلوقات، ومن الناس يفعله الكبار ويرونه واجباً من واجبات حياتهم لا يحتاج لتحريض، ولا لوضع الهدايا والمكافآت لأصحابه، فلو كان أمر الجهاد في سبيل الله تعالى في ديننا على هذا المعنى فما هو الداعي والباعث لوضع الأجور العظيمة له، وكيف يكون ميزة لهذه الأمة دون سواها من الأمم؟ هذا ما لا يمكن تصوره أبداً حين يتفكر المرء في هذا التحريض الشديد في القرآن والسنة على الجهاد في سبيل الله تعالى، وكأنه ركن من أركان هذا الدين، فإذا كان الأمر كذلك - وهو كذلك- فإن الجهاد في الإسلام على معنى آخر غير المعنى الفطري في الخلق وهو الدفاع عن الحقوق، أي على معنى الغزوة والنفير، ولذلك يقول تعالى ((انفروا في سبيل الله))، والنفير هو مفارقة الأرض، فدل على أن هذه الآيات وأمثالها تُحمل على جهاد الطلب، وهو جهاد الدعوة في سبيل الله تعالى لإخضاع الأرض لدين الله تعالى، وهو واجب عيني حين يستنفر الإمام طائفة من الناس بأعيانهم، فلا يجوز لهم التخلف أو الإعتذار بأعذار أهل النفاق، والعجب أن يكون هذا المعنى جلي واضح ثم يكون في زماننا من يحرم جهاد الدفع عن الدين والأعراض والحرمات والأرض، بحجة أنه يفسد على أهل الدنيا دنياهم، ويذهب بالشباب إلى الموت كما يقولون، يقولون هذا التحريف والضلال ويسمونه فتوى شرعية، افتراءً على الله، وكذباً على الشريعة، وصدق