الوعاظ اليوم، وأما بعضهم فقد جعل الدين، كل الدين خادماً للدنيا ومصالحها، وينسى هؤلاء جميعاً سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه رضي الله عنهم وسيرة أئمة الهدى والدين والعلم، وسيرة المجاهدين والصديقين في تاريخ الأمة جميعه، ويأتون إلى آيات وأحاديث وكلمات أئمة هداة ويضعونها في غير موضعها من هذا الأمر.
يأتون إلى قوله تعالى ((قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون)) ويجعلونه حجة لهم في تبرير انغماس الأمة في شهواتها، والغرق في الترف الذي يفسد الأمم والشعوب، ونسوا أولاً أن هذه الآية رد على المشركين الذين كانوا يحرمون ستر أجسامهم في حجهم وعمرتهم إلا من "الحمس" وهي لباس يشترونه من أهل مكة، فكانوا يطوفون عراة ان لم يجدوا ثمن ثوب الحمس، فنهاهم الله عن ذلك، وأمرهم أن يأخذوا زينتهم أي لباسهم في طوافهم فقال سبحانه وتعالى ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين﴾، فهذا ما يفسّر الزينة في الآية، هذا في خصوص السبب، أمام عموم اللفظ فإنه مقيد بتحريم الذهب والحرير على الرجال في الألبسة، مع حرمة اتخاذ الذهب والفضة في أدوات الأكل والشرب، مع شروط أخرى لألبسة الرجال والنساء كعدم مشابهة الكفار في حياتهم كلها، وعدم لبس الرجال ألبسة النساء، وغير ذلك من حرمة الإسبال للرجال، وجواز إسبال خاص للنساء، كل هذا يدل على أن ما قالوا من معنى الزينة غير صحيح، ثمّ إن الآية تقيد هذا الحل بعدم الإسراف، سواء كان في اللباس أو الطعام والشراب، فمن أين لهم التحريض على أن يتخذ الناس في بيوتهم أكثر من ثلاثة فرش؛ واحد له، وواحد لأهله، وثالث للضيف، فالترف مهلك للأمم؛ لشبابها ورجالها ونسائها، ولو التفت هؤلاء إلى زماننا لرأوا أن كل حجج المانعين للجهاد لها دافع واحد، وهو الخوف في نفوسهم عند أية صرخة، وكذلك الأفراد المترفين هم كذلك يخافون ذهاب أموالهم وشهواتهم ومناصبهم، فبيوتهم بنيت على وجه الزخرفة التي تضرها وتؤذيها ذرات الغبار، فكيف بالأسحلة والقنابل وغيرها، وهذا ليس في العوام فقط لكنه في أئمة الفتوى والقضاة ووعاظ المساجد، فقد ارتبطت حياتهم على نسق هذا الترف، ولو قام المجاهدون بعمل فإن معيار صحته وغلطه هو صون هذا الترف أو الإضرار به لا غير، ولذلك سمعت من بعضهم من ينكر على المجاهدين وهم يعملون في جهادهم في بلاد غير مترفة، فلا يوجد فيها هم الخوف من الجهاد وتبعاته، لأنها غير مثقلة إلى الأرض وشهواتها، وأهلها لا يرتجفون عند كل صيحة كما ترتجف من تنشأ في الحلية والنعيم، ويرى هؤلاء أن السعي الصحيح لإقامة الإسلام إنما يكون في بلاد الثراء والغنى، وفي بلاد النعيم والمال، فسبحان من يضل ويهدي، وسبحان من ربط الحق في قيمه مع أساليبه التي تدل عليه، وعرّف الباطل بزمرة رجاله وهيأتهم وأمانيهم، فوالله إن كل سمات الحق القرآني، وكل هدي الأنبياء ليدل على أن طائفة الجهاد هي الحق، وأن كل ما يفعله مخالفوهم ليدل على بدعتهم وانحرافهم.
إن الحديث عن الترف والدنيا بصفتهما معياراً أو بكونهما من موانع الجهاد ليس لإجبار كل آحاد الأمة على وجه واحد من وجوه الحياة، فهذا لا يقوله أحد، ثمّ لا وجه للجمع بين الغنى والترف، ولا تلازم بين كثرة المال وبين الضلال، ولكن القرآن يجمع بين الترف والفساد، بل بين الترف والضلال فقال سبحانه وتعالى ((وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون، وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين، قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون))، وقال سبحانه وتعالى ((وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)) فبين من الموضعين (الأول في سورة سبأ والثاني في سورة