تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن انطلق فلأنها هي كذلك، وإن تثاقل فلأن دواخله متثاقلة، فالظرف الإنساني ليس قيداً حديدياً يحكم إرادته، بل هو يتسع ويضيق بحسب ضيق النفس واتساعها، فنفس الإنسان هي الأصل والظرف السنني تابع لها، لا العكس، ولو انقاد الإنسان لظرفه الذي يحيط به لكان كلاً عاجزاً، لا يتقن إلا الشكوى، ولا يفعل إلا الخمول، لأن انتظار الغد الذي تكتمل فيه ظروفه، ويتلاءم فيه المحيط الذي يكتنفه لن يأتي أبداً، وهذا هو أخطر ما يصيب الإنسان، أقصد الإنتظار حتى يبدأ العمل، وهو أشبه بمرض التسويف الذي يغمر العاجزين والكسالى وكذلك الحالمين.

لم تلتفت الآيات إلى واقع المدينة في شيء، مع أنها كانت قاسية، ولم تلتفت إلى بعد الطريق مع أنها كانت طويلة، لكنها ذهبت إلى هذا المرجل الذي أراد القرآن أن يجعله قمة عطائه وأوج فاعليته، فتتحرر الإرادة من كل أمراضها، لأن القرآن لا يحرر العقول من الأفكار الباطلة فحسب، لكنه مع التوازي في هذا يحرر الإرادة الإنسانية من أمراضها وأسباب شللها، وهذا أمر لا ينبغي الملل من تكراره وهو أن التجديد لا يعني أبداً ما يتعلق بالعلوم والأفكار فقط، لكنه إحياء الأمة يوجب تحرير إرادتها من الجبن والخوف ومن حب الدنيا وايثار السلامة والرغبة بالعافية، أو الرضى بالقليل من المعالي فإن المسلم يعلم ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم ((إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى من الجنة))، ولذلك من غير أن نقذف الأمة إلى ميدان الجهاد، في كل ظروفها، وعلى كل أحوالها، وعلى تباين قدراتها، فإن التجديد الذي يسعى إليه البعض سيبقى مجرد كلمات، وستبقى السلاح بين الفرق المختلفة، ولذلك فبدلاً من انتشار كلمات كانت هي الأكثر قبولاً يتم استبدالها بكلمات أخرى، وهذه سرعان ما تتحول إلى بضاعة يتصيدها أصحاب القدرات التسويقية والتجارية، وهذا وقع حقاً في من ظن ذلك، إذ سرعان ما تحولت كلماتهم إلى بضاعة تنافسية في سوق المال والغنى، ودخلت كما تدخل البضائع فيه عادة بين التجار.

لقد تمّ افتتاح هذا الحديث بهذا التحذير الإلهي:-

﴿يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض﴾

إذاً النفير يعني قطع العلائق مع الأرض، لأن النفير ذهاب إلى القمة، والتثاقل إلى الأرض يعني العيش في زروب الصغار والهوان، فالنفير يعني ترك المحيط الذي تأنس به النفس وتطمئن إليه، فتسعى للتعلق به والمحافظة عليه، وهذا وإن بدا لبعض الناس هو الأسلم، لكنه في حياة الشعوب عامة وفي قيم هذا الدين وطريقة حياته خاصة هو مرض وسبب هلاك.

هذا التثاقل له أسبابه الكثيرة التي سيكشفها القرآن بعد ذلك في إخباره عن المنافقين، لكنه مجموع في شيء واحد هو:- ((أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة))، فللتثاقل عنوان وحيد وهو مرض الإنسان كل الإنسان الذي جاء الأنبياء كلهم لإخراجه منه، إنه حبّ الدنيا والتعلق بها، والوقوف عند حدودها كالدواب دون النظر إلى عاقبة الآخرة.

هذا صراع حب، وصراع رضى، وصراع إيثار، وصراع ترجيح بين طرفين؛ الدنيا والآخرة، وبكل وضوح قرآني، وبصراحة معانيه هناك صراع بين هذين الأمرين.

لقد غُزي حبّ الآخرة قلوب الأمة لما مَهّد البعض لحب الدنيا بقولهم إنه مشروع، وإن الإسلام يجمع بين هذين الحبين، وقالوا: إنه يمكن للمرء أن يجمع بين هذين الحبين، كما يمكن للمرء أن يجمع بين ضرتين، هذا الأمر يقوله المحسنون من

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٩٣