تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وطالبي النعيم واللذات الدنيوية، فهي غزوة الوصول إلى الفردوس الأعلى، وغزوة الإنطلاق إلى أفق المعالي والدرجات العلى في مقاعد الصدق عند ربهم سبحانه وتعالى.

هي غزوة يتحقق فيها توبة الله على النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار، وهي غزوة تتعرى فيها كل قيم النفاق الخفية الباطنية والتي لا تظهر إلا تحت أشد الضغط وأذكى النيران.

هذه غزوة الإنطلاق إلى أقسى التخوم بلا طعام كاف ولا ماء مؤمّن، وإلى أرض أخرى، يقذف بهم قائدهم إليها، كلهم، ولا يؤذن لأحد أن يتخلف إلا أصحاب الأعذار، وتبدأ مسيرة النور، وكلما ذكر اسم واحد من الأصحاب هل جاء أم تخلف يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة التقييم النهائي: "إن يرد الله به خيراً يأت به"، لأنها خاتمة الرحلات والإمتحانات، فكل من تجاوزها فهو من أهل الخير وإلا فسحقاً له وبعداً عن رحمة الله تعالى.

هذه غزوة حطمت حدوداً وهمية في المكان، وحدوداً وهمية في النفس، حدوداً يضعها الناس بسبب ألوانهم ولغالتهم ونسبهم، لتحفظ لهم خصوصيتهم المزعومة، وقديم قوانين الإنسان الأرضي في أفقه ورؤاه، فيأتي هذا النبي العظيم ويرحل بجنوده ليحطم هذه كلها، وذلك لأن الأرض لله، والإنسان عبد لله، فليكن ما يحكمهم جميعاً هو دين الله، وليبقى هناك حدّ واحد فقط بين الناس هو ما قاله الله ((هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن))، وليكون حد الأرض والديار هو حد الإيمان الذي يفرق بين دار الإيمان ودار الكفر لا غير، وذلك من خلال رحلة العسرة، لتكون عنوان المسلم دوماً في ردّ كل العوائق التي يضعها البعض لمنع الجهاد، فبأي شيء سيحتج المثبطون، أبقلة الطعام والغذاء؟ أم بقلة الظهر والعتاد؟ أم ببعد الطريق وخطورتها؟ أم بحدود صنعتها الجاهلية أو أوهام الإنسان الداخلية؟ كل هذه تأتي عليها الغزوة لتحيلها أعذار باطل أو دعاوى نفاق.

مع هذه الغزوة الخاتمة تمَّ كشف الستار عن كيد جديد ومنه سيكون هو عنوان الصدام الداخلي حين يصل أمر الإسلام إلى ذروة مصادمة الكبش الكبير- الروم وعملائها الغساسنة-، إنه لعبة المؤسسة الدينية الموازية لطائفة الإيمان والجهاد، إنه مسجد الضرار، وسيكون الفتنة بعد ذلك حين يغيب حكم الشرع من قلوب المسلمين في تطبيق أحكامه بسبب الورع البارد أحياناً، وبسبب الغفلة وقلة الإدراك وضعف الهدى أحياناً أخرى فيصبح هو صوت الإسلام، ويغيب صوت الإسلام الحق وصوت المجاهدين ليكون هو النشاز والغريب.

والآن إلى كتاب الله تعالى وكلامه في هذه الغزوة المباركة:-

قال تعالى:- ﴿يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل، إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير﴾.

القرآن الكريم بوصفه لتحضيرات غزوة العسرة يتجاوز الوضع الإقتصادي الذي تعيشه المدينة، بل لم يشر له إلا بكلمة واحدة هي هذه الكلمة ((ساعة العسرة))، فهي ساعة فقط، وسيأتي التنبيه على أهمية هذا الوصف القرآني العظيم هناك في موطنه، فالقرآن يتجاوز كل هذه الظروف، وخلال سياق هذه الغزوة جعل هذه الظروف مجرد أعذار منافقين ((وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم))، وانطلق الوصف القرآني إلى النفوس المؤمنة ليخاطب دواخلها وحديثها واتجاهاتها بهذه الآية العظيمة، لأن الإنسان مع هذا الدين لا يكون أسيراً لوضعه ليتعلل به، ولكن في الحقيقة يكون أسيراً لنفسيته،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٩٢