إلى الآخرين الذين حصل لهم الدنيا، فاستثمروا وجمعوا، وبنوا وشيدوا، وأمّا هم فلا شيء بأيديهم لأنها فارغة، وجنوبهم جافة، وكل غناهم في داخلهم، وكل أرصدتهم فرموها هناك لما بعد الموت، فيبدأ الحديث: نريد استراحة، وبعض إجازة؛ وقليلاً من التحلل من تكاليف هذا الأتون المتقد، فتأتي الصبغة الإلهية لتحرق هذه المطالب، وتشعل النفوس بطاقات عظيمة لمواصلة المسير إلى اليقين، وتلقي التحذيرات التي تهتز لها القلوب، وترتجف لها الأبدان، وكأن القوم مازالوا في الصفوف الأولى يحتاجون إلى الردع والتأديب والتهذيب.
يا الله، يا أرحم الراحمين اغفر لي وارحمني، فوالله إني أعيد النظر مرة بعد مرة وأنا أفكر في هذه الآيات المحذرة للمؤمنين من القعود وترك الجهاد والمسير إلى تبوك.
- أهذه الآيات حقاً نزلت على قوم جاهدوا تسع سنوات متواصلة لم يرتح لهم فيها بدن، وقطعوا كل الصلات إلا صلات الإيمان، وابتلوا كل هذه الإبتلاءات من أحد والخندق وبئر معونة وغيرها؟
- هل هذه الآيات نزلت على الذين وطؤوا للإسلام هذه الجزيرة العربية، وصارت مهد الإسلام والإيمان، وأرض الأمان والسلام، وكأنها قطعة واحد؟
إذا كان قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)) نزل في هؤلاء فماذا يقال للناس من أهل يومنا الذين جعلوا الجهاد عاراً يستحي منه، وتهمة يبرؤون منها، وفقهاً ضالاً يفتون بخلافه؟
إذا كان قوله تعالى ((إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير)) نزل في هؤلاء يحذرهم من عدم النفير، فماذا يقال للذين يرون الجهاد الأعظم هو جمع المال وتحصيل المناصب واغتنام الفرص والإرتحال في أحضان الشهوات والرضى بالدنيا؟
إذا كانت هذه الآيات نزلت في الذين أقاموا صرح الدين، ورفعوا منارات الحق، ووطؤوا للإسلام في الأرض، وهم عباد الليل وصوّام النهار فماذا يقال للذين تركوا الجهاد وهم يرون الإسلام تهدم أركانه، وتطفأ مناراته ويستهزؤون به ويحكم بغير شريعته؟!
إذا كانت هذه الآيات تقال لأصحاب محمد وهم خير الخلق بعد الأنبياء فماذا يقال لأهل هذا الزمن الذين يشتمون المجاهدين لأنهم يقلقون عليهم سباتهم ونومهم وشهواتهم وكذلك ذلتهم وخستهم وحقارتهم؟!
حقاً إنها صبغة الله حقاً وصدقاً، صبغة الله في الحديث عن هذه الغزوة التي جاءت على معاني أخرى وقيم إيمانية جديدة، لأن هذه الغزوة جاءت على معنى من معاني الإبتلاء، ليس ابتداء الجهاد والإبتلاء ولكن تواصله وتقدمه، لأن الجهاد هو حياتهم، وهو عملهم، وهو سوقهم، وهو زراعتهم، وهو سياحتهم، ففيه المحيا وفيه الممات.
إنها غزوة يحملهم قائدهم الرحيم الرؤوف في وقت عسرة وشدة، ومسغبة، وقلة ظهر ودابة، لأنهم بلغوا أعلى الدرجات، وحين يصل المرء لهذه المراتب فليعلم أن ما هو آت أشق وأقسى لأن الجنة ليست سلعة رخيصة تبذل للكسالى والنومى