تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الغزوة في القرآن الكريم:-

هذه غزوة لها خصوصيتها وفرادتها، فهي آخر غزوات الحبيب المصطفى، وذلك بعد تسع سنوات فاعلة، وهي أي التسع سنوات وإن كانت في التاريخ الإنساني قليلة جديدة لكنها كانت كثيرة الكثافة، فإذا كان التاريخ كالجغرافيا فيه الجبال والصحراء والغابات والوديان، فإنني لا أظن أن هناك فترة زمنية بهذا العدد من السنوات كان فيها كثافة الحركة ونوعيتها وآثارها على الوجود الإنساني كله بعد ذلك كما كانت في هذه السنوات القليلة، إذ امتلأت بالبناء الداخلي على نحو خاص بعيداً عن اتجاهات الوجود كله، وأنا أعتقد أن الوجود الإنساني منذ وجوده إلى يوم ذهابه وفناء العالم يمكن تصوره من خلال حياة الإنسان فرداً، فقد بدأ الإنسان الأول مسلماً فطرياً كما هو شأن كل مولود، ثم بدأ هذا الوجود يتصاعد في نموه حتى كان في قمة العطاء والشباب والإكتمال في هذه السنوات النبوية، وقد بلغت الإنسانية في رقيها وشبابها ووعيها في اللحظة التي قال الله فيها: ((إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً))، ثمّ كان عطاء هذا الشباب الإيماني لذلك الزمان ممتداً إلى الخلافة الراشدة والدولة الأموية وصدراً من الدولة العباسية بالرغم مما في هاتين الفترتين من نقاط سود يسيرة لا تقدح في مجال هذا الشباب واكتماله، ثم بدأت الشيخوخة فالكهولة إلى أن افترق السلطان عن القرآن، ثم عادت الإنسانية إلى جاهليتها الأولى، وعاد الإيمان غريباً وأهله غرباء، وسيبقى هذا الحال حتى تأتي صحوة الموت التي تصيب الناس الذين يموتون بداء السام دون غيره، وهناك يكون ظهور المهدي وقد مَهَّد له هؤلاء الغرباء الأرض والرجال وأسباب الصراع، وهي تتجدد بتجدد الحياة واختلاف البشر فيها، هذا هو تصوري للوجود الإنساني، ولذلك فإن قمة وعي البشرية كان في هذه السنوات النبوية العظيمة خلال هذه الغزوة النبوية المباركة، أما أقذر مظاهر وجود هذه الإنسانية فهو في فترتي صعود العلو اليهودي أي زماننا هذا وما يأتي من زمان الدجال، وهو ملك اليهود كما شرحت هذا في جزء خاص بالنبوءات في غير هذا الكتاب.

إن التصور الساذج والأولي لغزوة تكون بعد اكتمال البناء أن تسير على نسق مريح من كل الجهات للقائد، إذ قد تم البناء الداخلي سواء للجنود أو المجتمع كله، وكذلك يمكن تصور انتهاء المعارضة سواء التي تقوم على الشك لصدق نبوة القائد أو بسبب ضعفها النفسي القائم على الجبن والبخل، ولكن كل هذا لم يكن إلا تصوراً ساذجاً لواقع هذا الدين وحركته وسنن وجوده، إذ تكشف لنا الآيات أن تسع سنوات من الآيات والتأييد الرباني والإنتصارات المتلاحقة لم تغير شيئاً من نفوس المنافقين، بل ما زالت هي هي على وجه القذر والساقط والخسيس، وهي قضية ستبقى من أعقد القاضايا وأشقها التي سيبتلي بها أهل الإيمان وخاصة أهل الجهاد منهم، لأن هؤلاء المنافقين لا ينقصهم النصر ليتوبوا ويهتدوا، ولا يعوزهم البرهان والدليل ليقوى إيمانهم ودينهم، بل هم على وجه آخر من هذا كله، وكأن لهم طبائع أشبه بطبائع المعادن لا تتغير ولا تتبدل، مع أن هذا غير صحيح على إطلاقه، لأن هناك أخلاقاً فطرية وأخرى تكتسب.

سنكتشف في الصبغة القرآنية لغزوة تبوك أن مساحة المنافقين أوسع، وحججهم الكاذبة أكثر، وتجليات جبنهم وبخلهم أوضح وأجلى.

بعد تسع سنوات من الجهاد، وهي سنوات نصر وتأييد للمؤمنين ستعرفنا صبغة الله أن الجهاد في سبيل الله هو محنة هذه الأمة، وأن المؤمنين الصادقين، والمجاهدين الشجعان يحتاجون دوماً إلى وقود التحريض والتعبئة، فهم بشر لهم تطلعات في هذه الدنيا، ولهم عيون ترقب الحياة الأرضية، فتلاحظ المزارع والمتاجر والأبنية والمساكن، وتلقي بأطراف عيونها

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٩٠