تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2 - قوله سبحانه وتعالى ((قاتلهم الله)) هو تشريع للمؤمنين بقتالهم، لأن أفعال الله سبحانه وتعالى دين وشرع كما يعرف هذا أهل الأصول، باستثناء ما جاء الخصوص به، ودليل ذلك احتجاج ابن عباس بعذاب الله لقوم لوط على حد اللواط.

فكون هذا مقدمة وتوطئة لخبر غزوة تبوك في القرآن فيه ما يفقهه كل ناظر.

3 - لقد جعل الله فعلهم هذا، وهو إشراكهم، واتخاذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله مقدمة لقوله سبحانه ((يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواهم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)) ثم جعل طريق النبي صلى الله عليه وسلم ودينه وشريعته هي ما توقف هذا الجرم الأكبر في الوجود- أي الشرك ونشره- فقال سبحانه وتعالى ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)). وأمر الجهاد بيّن في هذه الآية لقوله سبحانه ((ليظهره على الدين كله))، فإن الظهور الأعظم هو ما جمع الأمرين؛ العلمي بالحجة والبيان والكوني بالسيف والسنان، وسياق الآيات هو الحديث عن قتالهم كما هو بيّن.

- سينشأ بسبب الجزية وتأمين أهل الكتاب في ديار الإسلام، وهم الأغلب قدراً كما تبين بعد ذلك من التاريخ، مجاورة بينهم وبين المسلمين، ولذلك جاء التحذير من مشابهتهم، وخاصة مشابهة أئمتهم فقال سبحانه وتعالى ((يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله)) وهذا أعظم وأضل وأفسد ما يصيب علماء هذه الأمة، ولذلك كان من قول الأولين: إن من فسد من علماء هذه الأمة كان فيه شبه بهم، وحالنا اليوم يشهد لهذه المشابهة، فإن العاملين في الفتوى والإرشاد والنصح قلما تجد فيهم من لا يأخذ مالاً يحرص عليه أشد من حرص أهل الدنيا على جمعه، وهو ينافس غيره في هذا الباب، ولو سألت أهل بلد من بلاد المسلمين عُدَّ لي عالماً زاهداً في بلدك لوجد صعوبة في تذكره.

ولو قال قائل: إن الله وصفهم بقوله: ((يأكلون أموال الناس بالباطل))، وهؤلاء من أصحاب الوظائف الدينية ليسوا كذلك، فيقال له: إن الله يقول بعدها ((ويصدون عن سبيل الله))، فمعيار الباطل الذي يأكلون المال به هو صدهم عن سبيل الله، ككل من صد عن سبيل الله وأخذ مالاً مقابل ذلك فهو آكل للمال الباطل، فهذا هو وجه الحق في معنى آكل مال الناس بالباطل، وعلى هذا الميزان فاحكم على أئمة الفتوى والقضاء وغيرهم، فهل يرضى الطاغوت من أحدهم أن يقول كلمة حق اليوم في المجاهدين في سبيل الله تعالى؟! وكم عدد هؤلاء الذين دفعوا الشباب لسبيل الله من أجل الشهادة والدفاع عن المسلمين وحرماتهم ودينهم؟!

إن هذا التحذير الرباني للمؤمنين من مشابهة هؤلاء الضلال المفسدين له علاقة بهذا السهم الجديد المنطلق خارج الجزيرة العربية إذ كانت أول معالمه في غزوة تبوك.

لهذا كله يكون فصل غزوة تبوك عن السورة كلها من أولها حتى آيات الغزوة يذهب الكثير من المعاني التي توطئ قيمة هذه الغزوة، وقيمة أخبارها وإعلاء شأنها، ولعل في هذا السرد السريع ما يرفع هذا الأمر، ويضع القارئ في الأجواء الأولى التي مهدت لأخبار غزوة تبوك، والآن إلى الغزوة في سورة التوبة، إذ أنها تبتدئ بقوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)).

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٨٩