تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- في غزوة تبوك كان أول خروج نبوي إلى أطراف الجزيرة العربية، وهذا فيه بعد عن الحجاز مكان البيت الحرام، وهو مؤذن بالإنطلاق خارج الجزيرة، ومما هو متوقع أن تميل نفوس المؤمنين إلى ملازمة البيت الحرام وما في معناه من المسجد النبوي للطاعات والعبادة، فكان قوله تعالى ((أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين)) وهذه الآية وإن ذكر أن المعنى كان للرد على الكافرين الذين نازعوا المسلمين في الأفضلية، وأن عمارتهم البيت الحرام بالتشييد وخدمة أهله خير مما فعل المسلمون من الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله، إلا أن الآية كذلك رد على كل أحد يفضل عملاً تعبدياً في أماكن فاضلة على الجهاد في سبيل الله تعالى، ويشهد لهذا الحديث الصحيح عند مسلم وفيه عن النعمان بن بشير أن رجلاً قال: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا على النبي فسألناه. فنزلت ((أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين))، فمن العلوم أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسمّون المعاني التي تدخل في الآية سبب نزول، وهذا معروف في كتب علوم القرآن، ولذلك قد يتعدد سبب النزول لتعدد نزولها أو للمعنى الذي ذكر هنا.

وهذا معنى جلي يجعل ارتباط هذه الآية بغزوة تبوك بين وجلي.

- لقد كان من المسائل الأولية في سورة التوبة الدفع الرباني للمؤمنين لقتال الكفار المشركين، وبرّرنا ذلك بآيات تؤهل نفوسهم للإقبال على هذا القتال من غير تردد فقال سبحانه وتعالى ((ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين)) وآيات غيرها ومعناها في هذا الباب بين. فكان قتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه للمشركين قد تأهل في نفوسهم، وقد قاتلوا اليهود من قبل لعلل مدركة من أفعالهم رأوها وعاشوها، وبغزوة تبوك انتقل القتال إلى أفق آخر، فيه مصادقة في الأغلب لأهل الكتاب من النصارى، ولذلك كان هذا القتال يحتاج إلى قواعده وتبريراته القرآنية فكان قوله تعالى ((وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون))، وفي هذا التعليل نقول:-

1 - إنه تذكير المؤمنين بأن معاركهم تتعلق بكونهم جنوداً لله تعالى، فهم يقاتلون عن حقوق نيل حقوقهم، وهذا لا يفقهه إلا الذين امتلأت قلوبهم بعظمة الله سبحانه وتعالى، وأدركوا مقصد الوجود والخلق الإنساني من كتاب الله تعالى، أما الذين لا يرون الجهاد والقتال وإزهاق الأرواح وبذل الأموال إلا من أجل منافع الإنسان وحقوقه فهؤلاء عبيد لأهوائهم، وليس في قلوبهم ما يجب من إيمان المؤمنين وذكرى الدار الآخرة، وهؤلاء اليوم يملؤون السهل والواد، فلو أن أحدهم ظلم في درهم من ماله لأقام الدنيا ولم يقعدها، لكن أن يسمع سبّ الله تعالى، والإشراك به، وسبّ الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا تتحرك منه شعرة، وقد رأينا من يزعم تعليم الناس الإيمان ينكر على المسلمين غضبهم حين سمعوا سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بأبي هو وأمي، ويطالبهم بضبط النفس والتعقل - زعم-، ولو فقد هذا وظيفته لرأيته كيف يصرخ ويملأ الدنيا اعتراضاً وضجيجاً، هذا مع أنه يأكل ويشرب ويجمع المال ويشتهر بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعلمه وبسيرته، لكنها القلوب التي أحبت الدنيا وفقدت الرشد والإيمان والغيرة الإيمانية، فوالله لو ماتت كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الدفاع عن رسولها لكان هذا قليلاً في أداء واجبه عليها، ولماتوا شهداء ولكان نعم الموت.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٨٨