تشهد للفريق الثاني، فإن أهل الكتاب لا يكفرون باليوم الآخر، فإن دينهم الذي يدينون به زمن نزول الكتاب هو الإيمان به ولذلك قالوا: ((لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات))، فدل أن القيد خاص بآخر مذكور.
نعود إلى ارتباط مقدمات السورة بغزوة تبوك وبالآيات التي نزلت بسببها فنقول:-
إن غزوة تبوك تمّ فيها التعامل مع هذا الحكم واقعاً من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة الجندل، فأخذوه فأتوا به، فحقن دمه، وصالحه على الجزية كما ورد عند أبي داود، وكلام أهل العلم أن الجزية لم تشرع إلا بعد فتح مكة، وعلى هذا يحمل أحاديثها وأشهرها حديث بريدة رضي الله عنه عند مسلم في كتاب الجهاد والسير وفيه: وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكونون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية. فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم.
ولذلك فإن الآيات التي سبقت آيات غزوة تبوك لها تعلق بهذه الغزوة.
- ذكر في آيات سورة براءة الأولى البراءة من الأقارب كالآباء والأبناء والعشيرة وما تعلق من أمور الدنيا وذلك في قوله تعالى ((قل إن كان آباؤكم وأبناءكم وأخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين))، وهذه آيات ولاشك فيها التوطئة لغزوة تبوك، وقول من قول إنّ هذا وعيد منسوخ، غلط لأنها آيات متأخرة في الزمن عما ادعاه من قال بالنسخ، وقد تقدم أن آيات هذه السورة هي خاتمة أحكام الجهاد والعلاقة مع الناس.
- لقد تقدم في غزوة حنين أن آياتها جعلها الله توطئة لغزوة تبوك.
- أما مناسبة ذكر النسيء وأنه كفر قبل آيات غزوة تبوك فإنّه أمر جدير بالتنبيه عليه، ذلك لأن الأمر بدئ بقوله تعالى ((إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم ذلك الدين القيم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم، وقاتلوا المشركين كافة كا يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين)) ثم ذكرت آية النسيء ((إنما النسيء زيادة في الكفر)).
وسبب النسيء هو المصلحة التي يراها المشركون في تأجيل الأشهر الحرم وتقديم غيرها، وفي غزوة تبوك ثم استنفار النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في وقت الثمار ونضجها، فمالت النفوس إلى تأجيل الجهاد إلى شهور أخرى، ومن ظن أن الأشهر الحرم لا يجوز فيها القتال فقد أخطأ، وقد حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف في ذي القعدة كما في الصحيحين، وبسط مناقشة هذه المسألة لا يحتمله هذا المقام، ومما يشهد لهذا المعنى هو قوله تعالى ((وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)) وذكرها في معرض عدد الشهور عند الله وتنويعها إلى أشهر حرم وأشهر حل، لأن من كان هذا حاله، وهو مقاتلة المشركين كافة فإن تأجيله للقتال بحسب مصالح شأنه الدنيوي مفسدة عليه قصده في هذا الجهاد، وهذا بيّن.