تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على نفسي وبالتالي على قلمي، لكن هذه المعاناة هنا أشد وأقوى، وقد توقفت أياماً وأنا أقلب في تسهيل هذا الأمر علي حتى أبدأ في هذه الغزوة، ومن الآيات التي نزلت فيها، لأن هذه السورة كلها لها علاقة بالغزوة وأحداثها ثم بنتائجها، فغزوة تبوك هي آخر غزوات الحبيب المصطفى قبل أن تحل بالأمة مصيبة رحيله إلى الرفيق الأعلى سبحانه وتعالى، وأما أحكام البراءة من المشركين التي افتتحت فيها السورة فهي الأحكام النهائية التي استقرت عليها الشريعة مع أصناف البشر من غير المسلمين؛ مشركين ومنافقين، والترابط بين الأمرين بيّن لا يخفى، وهناك أسباب أخرى منها:-

- ذكر تمهيداً لآيات غزوة تبوك أمره سبحانه وتعالى بمنع المشركين من دخول المسجد الحرام فقال:- ((يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)) وهذا أمر رباني سيكون أول وقعه على المؤمنين له تعلق بالمال، وبمصدر الرزق، لأن الحج والعمرة هما مصدره في هذه البلاد، فمكة بلد غير ذي زرع، لا يوجد فيها ما يغري إلا هذا البيت الذي جعل الله قلوب الناس تهوي إليه بسبب دعوة أبي الأنبياء خليل الله إبراهيم عليه السلام، فإن منع الناس من إتيانه كان في هذا دمار لاقتصادهم- هكذا سيقع في القلوب ابتداءً- فجاء الضمان الإلهي بقوله ((وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله سميع عليم)) فطمأنهم بحصول الغنى.

كان هذا الغنى له سبيل عظيم، طاهر مطهر، هو مال الجزية، وطريق الجهاد، ولذلك قال بعد ذلك:-

((يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)).

فهذا هو طريق الغنى من الفقر لهذه الأمة، وهو رزق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله تحت ظل رمحه، وفي هذه الآية سنقف وقفات:-

- إن هذه من آخر آيات أحكام الجهاد، وقد علق الله الجهاد فيها على قضايا دينية غيبية ليس فيها شيء مما يتعلق بحقوق البشر، فالله أمر عبيده وجنوده أن يقاتلوا على حقوقه هو سبحانه وتعالى، أي ضد الذين يرفضون عبادته:- ((الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب))

- هذه الحقوق الربانية منها ما هو قلبي بحت ومنها ما هو عملي، فالإيمان بالله واليوم الآخر أمران قلبيان، وعدم تحريم ما حرّم الله وإن كان أمراً قلبياً إلا أن مظهره عملي في الطوائف والتجمعات، ويدخل فيه التشريع- وهو تسمية الأشياء بالحل والحرمة أو تحسين الأشياء وتقبيحها-، ويدخل فيه مجرد الفعل كما قال تعالى ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)) فقتال هؤلاء بمجرد عدم الإمتثال سواء كان لجحود أو لشهوة.

- اختلف أهل العلم في القيد الذي ذكره الله تعالى ((من الذين أوتوا الكتاب)) هل هو عام على جميع ما تقدم أم أنه لأقرب مذكور له فقط وهو قوله تعالى ((ولا يدينون دين الحق))، وبسبب اختلافهم في هذا كان الإختلاف في أحكام الجزية، هل تؤخذ من أهل الكتاب فقط (وأدخل المجوس للرواية)، أم تؤخذ من عموم الكفار والمشركين؟.

فالذين جعلوا القيد عاماً قصروا الجزية على أهل الكتاب (والمجوس)، ولم يقبلوا من غيرهم إلا الإسلام أو القتل، والذين جعلوا القيد خاصاً بآخر مذكور وهو قوله ((ولا يدينون دين الحق)) قبلوا الجزية من عموم الكفار والمشركين، والآية

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٨٦