تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على الجنود، وإلى حاجتهم إلى جنود غيبية معهم، لأن الكثرة فيه لا تصنع النصر بل يصنعه أولئك المؤمنين الذين يستحقون هذه العوامل الغيبية.

النّصر في الصبغة الإلهية فعل رباني خالص يغيب فيه الإنسان المؤمن مع أنه مادته، إذ لم يذكر في هذه الآيات أي نشاط أرضي سوى الفعل السلبي، وأما النصر وأسبابه فهي من الله وحده، وهذه هي حقيقة التاريخ الإيماني ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو داخل مكة يوم الفتح:- لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.

وحين يستقر هذا في نفوس المؤمنين، فيوقنون برعاية الله لدينه، ووعده لأهله بالنصر والتمكين فإنه لا وجود لليأس ولا للقنوط حينئذ، وكلما ظن الظانون بعد الوعد رآه المؤمنون قريباً، ويكفي أهل هذا الطريق أن يبقوا هذا الدين سلسلة متصلة، تقيم الشهادة على الخلق، وتنير الطريق للسائرين، وحمل مشاعل النور للأجيال القادمة، وسيدعون يوم القيامة بأحب ما يدعى إليه الناس بعد الأنبياء كما قال تعالى:- ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون، ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون﴾

إضاءة:-

لقد كانت هذه الآيات أول ما نزل من براءة كما تقدم من قول مجاهد بن جبير، وقال: يوطنهم لغزوة تبوك، ذلك بأن استنفار الله ورسوله للمؤمنين لغزوة تبوك ليس لحاجته إليهم، فقد نصر الله رسوله في حنين حين ولى الأكثرون وتركوه مع قلة قليلة، وإنما الإستنفار لحاجتهم هم لدين الله وللجهاد في سبيل الله تعالى، وقد تقدم أن هذا من أسلوب القرآن، وضرب بعض الأمثلة هناك، وهذا من شواهد هذا الأسلوب العظيم، فإن آيات غزوة تبوك تبدأ من قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل اثاقلتم إلى الأرض ... ))، فكأن هذه الآيات هي من معنى قوله تعالى ((إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار ... )).

ويشهد لهذه التوطئة قوله تعالى قبل هذه الآيات ((قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين))، ودلالتها على ذلك بيّن فإن غزوة تبوك هي غزوة العسرة كما سيأتي.

ومثله ما جاء من الأمر بعد هذه الآيات بقتال أهل الكتاب، والتفصيل في ذكر النصارى في السورة فسيأتي كذلك الحديث عنه في الغزوة القادمة وهي غزوة تبوك إن شاء الله تعالى ويسر.

غزوة تبوك

توطئة:

ابتداءً أشعر بأن من الخير لي وللقارئ أن أعترف بأن معاناة الفصل بين الغزوة بصفتها حدث، وبين السورة كاملة إن كان بعضها هو المقصود، لأنه عزل بمناسبة هذه الغزوة كانت شاقة علي، وهذا كان في ما سبق من الغزوات يسري

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٨٥