تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا الأمة ليحق أن نفخر أنها تابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الرجل هو أمامها وقدوتها، وهو سائقها إلى كل المكارم والمعالي، فهو الإمام الذي يهدي القلوب ويهدي الحياة إلى جنان الخلد، فالحمد لله رب العالمين.

لقد نزلت السكينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل يدفع ببغلته إلى الأمام ويقودها ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، فثبت قلبه وعقله وبدنه ولسانه، فجعل ينادي ويأمر عمه العباس وكان جهوري الصوت بمناداة النخبة الصافية، ورجال المواقف، وعدة النوازل، وعمد الكربات.

نادى أصحاب بيعة الرضوان، فالتفتوا كأنها الإبل إذا حشرت إلى أولادها يقولون: يا لبيك يا لبيك يا لبيك.

ثم خصّ الأنصار بالنداء ثم قصرها على بعضهم، فتدافع السامعون إلى مركز النداء وقطب الصبر وأصل الهداية، فبدأ صد المشركين، حينها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة التي لم ينطق بها ابن انثى قبله:- ((الآن حمي الوطيس))، فهكذا لا ينزل النصر إلا بعد أن يحمى وطيس المعارك ويشتد أداءها وتغلي بالناس، أما برد العاجزين فلا يضع إلا تولي الدبر.

لقد نزلت السكينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين لأنهم أهلها، فهم المؤمنون، وهم حملة الصفات التي ناداهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قرعت قلوبهم ذكريات البيعة، ومعنى الأوصاف التي حلاهم الله بها فهم الأنصار، وهم حملة سورة البقرة.

هكذا صارت حليتهم مع الإسلام، فهذا بدري، وهذا أحدي، وهذا من أهل بيعة الرضوان، وهذا غسيل الملائكة، وهذا حامل السر، وهذا صاحب الميضأة؛ ألقاب قد استمدت من حركة الإيمان، وفعل الطاعات، وكان أغلبها من مشاهد الجهاد الإيمانية التي كانوا أهلها وأحق بها.

وأنزل جنوداً لم يرها الأصحاب، فأنزل ملائكة التثبيت على قلوبهم، وملائكة الرعب على قلوب أعدائهم غير هيابين، فانقلب الأمر إلى ضده وكان النّصر الموعود، ولذلك قال تعالى ((لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين)) أي نصركم كذلك يوم حنين نصراً خاصاً وله معناه، وفيه قيمه العظيمة وهدايته التي تميز بها.

﴿وعذّب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين﴾

لقد وقع ما قاله دريد بن الصمة، وهو رجل الحرب، فانهارت قوى هوازن وثقيف ومن معها، وفرّ الناس ولم يكن بينهم من يقف موقف الإمامة كما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بل فر مالك بن عوف-وقد أسلم بعد ذلك- وتركوا وراءهم أموالهم وأعراضهم نهباً لجنود المسلمين.

لقد عذّب الله الكافرين بأيدي المؤمنين، وهذه سنة الله تعالى بعد أن فرض الجهاد، فإن كانت الملائكة تأتي قوم لوط في الصباح ((إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب)) فإن صبح الكافرين بعد ذلك كان يزين بالعاديات كما قال تعالى: ((والعاديات ضبحاً، فالموريات قدحاً، فالمغيرات صبحاً)) وفوقها الخميس كما قال تعالى:- ((فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين)).

لقد عذبهم الله بأن جعل أموالهم وأهليهم غنيمة للمسلمين، وقتل منهم من قتل وهزم منهم من هزم.

﴿ثمّ يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم﴾

ذلك أن بعض من هزم من هوازن جاؤوا مسلمين، وما جرى بعد ذلك مشهور معلوم من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم من رد السبايا إليهم.

لقد كانت غزوة حنين بهذا المعنى إقامة حقائق هذا الدين على المعاني الأول التي قام عليها، وأن هذا الدين لا تتغير معايير نصره وتثبيته في الأرض مهما بلغت قوة أهله وكثرتهم وعدتهم، لأن أهله بحاجة دوماً إلى السكينة التي تتنزل دوماً

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٨٤