تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خصوم الإسلام ليسوا جبناء كما يحلوا للبعض تصويرهم دائماً، وهزيمة أهل الإسلام لهم ليس لضعفهم وغبائهم وجهلهم بأساليب الحرب كما كان بعضهم يصف بعضاً عندما يتصدون هم للمسلمين، كما وصفت اليهود وقريش بعد بدر فسقطوا هم، وكما وصفت هوازن قريش بعد فتح مكة، وإذا كان خصوم الإسلام كذلك دوماً فإن هزيمة المسلمين لهم ليس شرفاً يستحق الثناء والتنويه به ومدحه، فإن هزيمة الجبان والجاهل بالحروب لا تستحق الفخر، وحين يتصور مقاتل خصمه كذلك فإنّه قد تحقق فيه هو نفسه أول عوامل الهزيمة، وقد قاتل المسلمون خصوماً كانوا آية في الشجاعة وآية في دهاء الحروب سواء داخل الجزيرة العربية أو خارجها، ولو قرأ المرء حروب الصحابة للمرتدين لعلم صدق هذا الوصف الرباني في قوله تعالى ((ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد))، أما حروب المسلمين ضد فارس والروم وحروبهم في شمال افريقيا ضد البربر فهي عجب من الأعاجيب، وكأن الصحابة ينازعون الجبال العاتية، وكذلك في الحروب الصليبية فإن بعض قادتهم حين تقرأ وصف المؤرخين المسلمين له ولبأسه وإقدامه تكاد تشك أن هذا وصفاً لبشر من البشر، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم في حروبهم كأنهم الجنّ فوق الخيول، وبمثل هؤلاء كالبراء بن مالك وخالد بن الوليد وقبلهم أبو بكر وعمر وطلحة والزبير كان يقع النصر، وبوراثهم من أمثال آل زنكي وصلاح الدين وقطز وبيبرس كان يمكن لأهل الإسلام كان يمكن لأهل الإسلام أن يحققوا النصر على هؤلاء، ولذلك فيجب الحذر من خيالات بعض الخطباء والوعاظ الذين يصورون معارك الاسلام كأنها حلقة ذكر ما أن يكبّر فيها المسلمون ربهم حتى تتهاوى صفوف الكافرين، أو بمجرد أن يرى الكفار عملاً من أعمال السنن كاستعمال السواك حتى ينهاروا ويسلموا رقابهم لأهل الإسلام، فهذه أوصاف لا تمت للتاريخ بصلة، وهذا ليس تقليلاً لذكر الله تعالى أو أعمال السنن-نعوذ بالله أن يخطر هذا على بال أحد- لكن توصيف بعضهم لوقائع المعارك على هذا النحو أوصلهم إلى إلغاء الجهاد الحق والإعداد له، ولذلك فلا عجب أن تسمع من بعض الحالمين- وهم قادة فكر ومشاريع وعظ- يحسم معركة المسلمين مع اليهود اليوم بأن يسير إليهم أهل الإسلام مجرد مسير، وبأيديهم المجردة ليحصل الحسم النهائي، وهذا إبطال لسنن الله في الخلق، وتوصيف باطل لحقيقة المدافعة في الأرض، ولو علم هؤلاء مقدار الجهل في أقوالهم هذه لخجلوا منها وهي تخطر على بالهم لا أن يتحدثوا بها لعموم المسلمين، ولكن لم يعد المرء يتعجب مما يقوله مشايخنا هذه الأيام، فوالله إن الكثير منهم لا يعرف هداية الإسلام ولا عقل أهل الجاهلية كما وصف بعض السلف أهل زمانه، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

﴿إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾

حين وقعت الصدمة صار الكثير عبئاً على المدبرين المتولين، فهذا زحام التولي الذي يصنع الفوضى وقلة الوعي وذهاب ملكات النّفس إلا من شيء واحد وهو الهروب، فتغلب نفسية القطيع، لكنها تتدافع من غير نسق وترتيب، فتضيق بهم الأرض لا يدري المرء أين يتوجه ولا إلى أين يسير، فهكذا صارت الكثرة ضيفاً وعبئاً، يتمنى الواحد منهم قلة الزحام حتى يتسنى له التفلت مرتاحاً إلى الوراء.

لقد أراد مالك بن عوف حرباً فجائية تحقق الصدمة التي تؤدي للإنهيار، وقد تحقق له ذلك، إذ استجابت هذه الكثرة لمراد الخصم، وهذا نوع من الحروب المباغتة التي لا تترك للخصم الإعداد والتعبئة المعهودة في الحروب التي كانت تجري يومذاك من تصاف ثم مبارزة ثم النبال والإلتحام، ولذلك صار الأمر إلى هذه القلة التي قالها القرآن بقوله:-

﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين﴾

لقد انماثت الحواشي وذهبت مولية مدبرة، ومن عمق هذه الصدمة، ومن معاناة هذه الفئة من الجموع المولية وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم موقفاً لم يحدث في التاريخ الإنساني مثله قط، فلم يكن تحته صلى الله عليه وسلم إلا بغلته، والبغال ثقيلة الحركة في الحروب، وشأنها أن تكون لحمل الأثقال وجرها، لا لكر الحروب وفرها، ومع ذلك وقف يعلق عن نفسه أمام سيل العدو المندفع قائلاً: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، اللهم أنزل نصرك"، وأشهد الله أنه لو لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته كلها إلا هذا الموقف لكان كافياً بصدق قوله إنه رسول الله.

لقد أعلن عن نفسه، ولم يضطرب ولم يتلجلج ولم يتراجع، وفي هول هذا المقام ينادي:- أنا النبي لا كذب، فهل يوجد أحد من الخلق يمكن أن يقول هذا الكلام هنا إلا وهو رسول الله حقاً وصدقاً؟. إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً وصدقاً بأبي هو وأمي، فأين عقول هذه الأمة، وأين عقول شبابها ورجالها وفتيانها وهم يذهبون إلى غيره ليقتدوا بسيرته وحياته؟!

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٨٣