تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشعوب التي تغذي هذه الحروب، لأن الحروب ليست فعلاً منبتاً عن المجتمع الذي يغذي الجنود بكل ما يحتاجونه من أعداد وإعداد، فقوة الآلة وغرورها ارتد سلباً لعدم وجود الإنسان الذي يساير هذه القوة.

من هنا فإن القوة الأخطر في يد الخصم ليست القوة مهما بلغت، بل هم المنافقون، لأن هؤلاء هم من يحقق للأعداء مقاصدهم في داخل المسلمين بعد أن تفعل القوة عملها بالهدم والتخريب، وهؤلاء بضاعة رخيصة، يباعون بأسعار زهيدة، ويعملون جهداً أكبر بكثير من الثمن الذي يطلبونه، ولذلك عندما عجزت"الإمبراطوريات الكبرى" من الحفاظ على مناطق نفوذها لما ترتب على ذلك من تكاليف جنود وإرادات، ومن فقدان عامل الدفع الذي كان موجوداً في الهجمات الأولى عند شعوب هذه الأمبراطوريات الحاكمة اضطرت هذه للإنسحاب، واستعاضت عن ذلك بالأجراء، وهم رخيصو الثمن، شديدو الإخلاص لأن ارتباطهم بأسيادهم ارتباط وجودي، يدركون من خلاله أن لا حياة لهم من غير هذه التبعية والإنقياد، ثمّ هم أقدر على صنع الغطاء الكاذب والخطاب الخادع من الأجنبي.

لقد أعجبتهم كثرتهم ﴿فلم تغن عنكم شيئاً﴾

شرط الكثرة لتحقيق أهدافها أن يكون من فيها"جماعة"، يوحدهم الهدف والقيادة، وإلا فهم واحد، هذا مجموعهم، لا يزيد عن ذلك، ولكن خطورة الإعجاب بالكثرة هو دفع المهمات للغير، لأن المرء حينها يرى أن غياب فعله لن يؤثر في تحقيق الأهداف، إذ غيره سيتولى ذلك، ولكن حين القلة يعلم المرء ويوقن في نفسه أن أي تقصير منه أو تأخر أو ضعف سيؤثر سلباً على النتائج، وقد ملأ الإسلام هذا الأمر بقوله صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته))، فعلى كل مسلم أن يشعر مسؤوليته دون غيره من مهمات هذا الدين وواجباته ((فلا يؤتين من قبلك))، ومن هنا يأتي الشعور بالمسؤولية، وهم أهم مطالب التغيير، وكلما ارتقى المرء في هذا الشعور كان تقدمه في الإمامة والوراثة، وكلما تلاشى شعور المرء بالمسؤولية كلما تأخر وتباعد.

لقد كتب الأستاذ "محمد أمين المصري" رحمه الله كتباً في هذا الباب، وهو من الكتب المهمة التي تحتاجها الأمة لتحقيق الخطوات الحقيقية نحو التغيير، وهذا الرجل "محمد الأمين" كان من أهل المعاناة في هذا الباب، وإن لم يأخذ حقه من الإعتناء، كما أن ذهابه إلى الأعمال الإدارية والأكاديمية قلل كثيراً من آثاره على مستوى الأمة، رحمه الله رحمة واسعة.

﴿ويوم حنين﴾

كان يوماً لا أكثر بل هي ساعات قليلة، لكن كان يمكن أن يتحقق فيها إنهيار كل سنوات البناء السابقة، إن بمجرد استرخاء يسير، وغفلة عن عظم الموقعة كادوا أن يكونوا كأمس الذاهب، ولذلك صرخ البعض من الأسواق: الآن ذهب السحر، وهذا ينبه إلى عظم قضية الجهاد وخطورة مواقفه، فهو ذروة سنام الإسلام، وهو ذروة مظاهر نهوض الأمم، فيه تتجمع كل قدراتها وأرباحها، لكن هذه القمة خطيرة الشأن لأنه بمجرد أن تفقد توازنك فوقها يمكن أن يؤدي بك إلى القاع، وهذا مع ما فيه إنذار لأمة محمد صلى الله عليه وسلم كذلك فيه بعث أمل أن سقوط القوى ليس عسيراً ولا ممتنعاً، ولذلك وصف هذا السقوط بالخرور كما قال سبحانه ((فخرّ عليهم السقف من فوقهم)) ووصفه بالفجأة كما في قوله ((فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون))، وهذا من خصال التغيير الإجتماعي لأن الكثير من المقدمات تكون خفية ومستورة، والمجتمعات تتقن فن الستر من خلال الصخب والضجيج والتنفخ.

في لحظة كان مجموع المؤمنين في صعيد واحد يتقدمون في الصباح إلى عودهم، وقد كمن لهم في فم الوادي فما أن صاروا في منطقة المراد لهذا العدو حتى حجم عليه كالسّيل، فكان ما كان من قوله تعالى ((وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين))، فتلاشت هذه الكثرة، وانفرط عقدها وذهبت مولية مدبرة.

انهيار الكثرة أمام هذا الهجوم المباغت يعني أنها كانت مسترخية، وبمجرد وصف الهجوم بأنه مباغت يعني حصول الغفلة، وسببها سقوط المسؤولية في داخل النفوس، واحتقار الخصم وعدم إعطائه حقه في الإعتبار والتقدير.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٨٢