تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه عظة القرآن للمسلمين هذه الأيام حين يؤجلون الجهاد حتى يتم تحقيق توازي القوى بينهم وبين أعدائهم، فيقيدون شباب الجهاد بفتاوى الباطل، ومذاهب الجبن والبخل، ويزعمون أن لهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حين كان يجيبهم إن سألوه قتال قريش قبل الهجرة: "إنا لم نؤمر"، وهذا من الإفتراء وليس من الإقتداء بشيء، فإن القوم اليوم قالوا أشد الأوصاف ضد الجهاد، وقذفوه بأشنع الأقوال وأقذعها، ورموا أهله بكل نقيصة حتى كأن كل هذا الشر في العالم هو سببه، وكأن كل بغض الكافرين للإسلام هو صانعه، فهل هذا هو معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:- "إنا لم نؤمر"؟!.

هناك في الأرض جهاد يحقق الإنتصارات، وجهاد يبطل مشاريع الكفر، وجهاد يضرب أروع الأمثلة في حب الشهادة وحب الدار الآخرة، وجهاد يوطئ الأمة لإعادة دورها الذي وصفه القرآن لها، وجهاد يحيي أحكاماً في الشرع نسيها الناس لطول العهد بها أو لمحاولات طمسها من مشايخ الهزيمة والتحريف، ثم يأتي من يسمي كل هذا إفساداً في الأرض، فهل قولهم هذا يلتقي بوجه الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم:- إنا لم نؤمر بعد؟!

فهل تثبيط الناس عن الجهاد وأهله؟! وهل سبب الجهاد وممالأة أعدائه هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم ((إنا لم نؤمر بعد))؟.

ثمّ هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالح الكفار بمدح دينهم، أو يأمر الأصحاب بالدخول في طاعتهم، أو كان يتنازل عن سبّ آلهتهم وعيبها وعيب آلهتهم وهو يقول لأصحابه رضي الله عنهم:_ "إنا لم نؤمر بعد"؟!

إن القوم اليوم اتخذوا هذه الكلمة للإنسلاخ من تبعة الجهاد، ثم مشوا على نفس النهج من الإنسلاخ من كل ما يحقق لهم التصادم مع الجاهلية لأن هذا يعني إضراراً بشهواتهم وأهوائهم.

إنه منهج الهروب من المبادئ، لا منهج تحقيقها في الأرض على وجه يحتمله العقل الذي يعلم أن صدق المرء مع مبادئه يعني أن يقدم الكثير.

﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾

في هذا اليوم يصف القرآن أحوال الجنود، أو بعضهم، يصف نفوسهم، وليس شرطاً أن أحدهم قال ما روي من أقوال:- "لن نغلب اليوم من قلة"، فهذا غير كافٍ في وصف سبب الإنهيار، لأن القرآن يصف النفوس، وهذه النفوس قد تترجم ما فيها كلاماً وقد تكتم ذلك، إنما حدث هذا ووقع الإعجاب بالكثرة، وهذه الكثيرة ليست عيباً لكن العيب هو الإعجاب فيها، وهذا يبطل قضيتين من أركان النصر؛ قضية العلاقة مع الله تعالى وفصل حركته عن التوفيق الإلهي والرعاية الربانية، لأن هذا الدين ليس شأناً أرضياً فقط كما هو شأن الأديان الأخرى يرعاها أهلها بوسائلهم وقواهم، ويسعون لتحقيقها من خلال ذواتهم فيضطرون لسلوك الباطل لزوماً أو الإنتكاس عن أفق الآمال التي يريدونها، فهذا ما تقع به كل الأديان والمذاهب الباطلة، فهي بين حدين؛ أولاهما: الأفق الذي تريده في الوجود ثانيهما:- القدرة والوسع فإن حافظت على الهدف اضطرت لسلوك المضايق غير الأخلاقية، وإن حافظت على قيمها في الوسائل اضطرت للتنازل عن أفق أهدافها، وهذا الدين لا يقبل هذين أبداً، وبهذا يحتاج إلى مدد غيبي هو عدة المؤمنين في جهادهم مع قدرات محددة أمام سمو الأهداف وارتفاع أفقها، ولذلك كانت كل الحروب النبوية وما تبعها من الحروب الإسلامية يحصل لها الإمداد الغيبي من الملائكة وجنود السكينة والرعب.

أما القضية الثانية التي يبطلها الإعجاب بالكثرة فهي سلوك الجنود في حروبهم ومسيرتهم، فليس هناك قط حرب مضمونة النتائج مهما بدت القراءات السابقة لها، وهذا يعلمه كل من قرأ تاريخ الحروب في التاريخ، والذين يذهبون إلى الحروب وهم في حالة استرخاء لضمان نتائجها سيدفعون ثمن هذا، فمادة الحروب هو الإنسان، وهو العنصر الأكثر فعالية، وتعقد عليها أكثر النتائج، والبناء النفسي لهذا الإنسان هو سلاحه الأكثر فاعلية، حتى هذا العصر الذي تقدمت فيه الآلة العسكرية وتمددت على حساب الإنسان والجنود، فإن الأرض ودوام السيطرة عليها تعود إلى هذا العنصر أكثر من غيره.

لقد تبين اليوم أنه يمكن أن تحقق الآلة فعل الهدم السريع، لكن تبين كذلك أنها كشفت سرعة انكشاف ضعف هذه الآلة في الحفاظ على المكاسب الذي يحققه هذا الهدم، وبالتالي فإن غرور القوة منع من تحقيق الأهداف التي تسعى لها الحروب، إذ فقد الجنود المئات من القتلى يؤدي إلى تلاشي إراداتهم أمام خصومهم، مع ما رافق هذا من إرهاق مالي خطير لا تحتمله

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٨١