تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أساس الخصومة النبوية المحمدية مع قريش كان يدور حوال أساس الوجود الإنساني يوماً لقريش وهم الآباء والأجداد، وذلك في ارتكازهم على الآلهة التي يحج لها كل العرب ويأتلفون حولها.

الأصنام شرك عقائدي خطير، وهو أخطر مرض تصاب به البشرية، لكنه يتسرب مع مرور الوقت إلى جوانب الحياة الأخرى السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وعلى ضوء ذلك تنشأ قوى ومؤسسات تدرك أن انهيار الصنم يعني انهيار الوجود، ولذلك قال فرعون لقومه وهو يخوفهم من اتباع موسى:- ((قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون))، بل إن الجاهلية لتحارب على قوانينها لأنها تعلم أنها سياج الحماية لوجودها، فانهيار القانون يعني انهيار المرجع، وهذا دمار للمؤسسة، فحين دعا لوط عليه السلام قومه إلى الزواج من بناته ليصرفهم عن جريمتهم وخطيئتهم أجابوه:- ﴿لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد﴾

فتأمل في قولهم:- "لقد علمت مالنا في بناتك من حق" لتدرك رعايتهم لقانون الخطاب الذي يوجبونه على هذا النبي العظيم، ولذلك فإن الذين يدخلون في قانون الغير، أي قانون الجاهلية، وهم يزعمون تحقيق مصالح الإسلام، أي تحقيق العبودية لرب العالمين هم مخطئون في فهمهم لقانون الصراع بين دينين، وبين منهجين، فإن ما يفعلونه بصلح بين فرقتين داخل المنهج الواحد والدين الواحد، أما بين دينين فهذا يعني لزوماً أن أحدهم تخلى عن دينه ومنهجه لصالح الآخر، وهذا هو عين الهزيمة، وهو تخلي حقيقي عن رعاية الله تعالى ونصره الذي يوقعه للمؤمنين في حياتهم وجهادهم، فهؤلاء الضعفاء علماً وسلوكاً ووعياً حين يقولون:- لقد قبلنا قواعدكم يعني هذا أنهم تخلوا عن منهج دينهم، ولن يدركوا مقاصده ولا أهدافه أبداً.

نعم، هم يزعمون أن هذا أسلم وأبعد عن الدماء والفتن والتكاليف، لكنه كذلك أبعد ما يكون عن الوصول لتحقيق عبودية رب العالمين، وهو ما تتمناه الجاهلية دوماً، بل هي استعداد أن تذهب بعيداً مع هؤلاء في تحقيق مطالبهم ضمن هذا السلوك، وإعمالاً لقواعدها، وحين يتحقق لهم بعض مقاصدهم يتم الصراخ:- أرأيتم لقد حققنا نصراً دون السير في ما يدعونا إليه المجاهدون (ويطلقون عليهم أوصاف التشدد و أصحاب مذاهب العنف وغير ذلك ألقاب)، والحق أن كل هذا ضمن خطة الخصم، وهو تحت رعايته، ولم يخرج هذا النصر المزعوم الخادع عن مدى رمّة الدابة التي تجول فيها وهي في أيد راعيها، فما أن تتغير بعض الأمور حتى يتم شد الرّسن، وتتكرر الصورة، وبتكررها ينشأ اليأس من تغيير الواقع، ويتفلت الناس إلى مطالب صغرى وضعيفة ومقبولة للجاهلية، وهكذا تنتهي كل تجربة بتجرد جديد من مطالب الإسلام حتى ينتهي الإسلام إلى مجرد شعار لا حقيقة له، ويصبح الإعلان بين الفرق أن الخلاف هو على برامج دنيوية، وهكذا ينتهي الدين، ويذوب مفهوم العبودية، وتربط العصابات على أعين أصحاب الشعار الإسلامي أن الخلاف ليس حول الصنم، ولا حول الشرك والإيمان، وحين يصل الأمر لهذا المستوى يدرك البعض إمكانية إلتقاء البرامج بين المسلمين وغيرهم، ولا عجب بعد ذلك أن يصبح حزب سياسي مشرك كافر بالله أقرب لهذا الحزب الإسلامي من مسلمين آخرين هم خارج هذا السياق وهذه المظلة.

هل هذه انتصارات؟!

سماها بعضهم كذلك، لكن يجزم الجميع أن الجاهلية تضحك في داخلها، لأنها استطاعت إدخالهم أطفالاً في رعايتها، تدير شؤونهم، وتضبط مشاغباتهم، وتكافئ محسنهم، وتؤدب مسيئهم، فإن كان ما يعطى لهم من حلوى في نهاية الشوط هو انتصار في مفهوم القرآن ومفهوم التاريخ فقد تغير الكثير من مفاهيم الحياة، وهذا حق وخاصة ونحن في عصر ما بعد الحداثة.

﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾: إنها آية تقول لأهل عصرنا اليوم ممن كرهوا طريق الجهاد وذهبوا بعيداً عنه:-

هل تشكون في وعد الله؟! وهل أصابكم الوهن فبدلتم وغيرتم؟! فما الذي جعلكم تقبلون الهزيمة، وترضخون لشروط الكفر وقواعده، فاستبدلتم الذلة بعزة الإسلام؟!

لقد غيرتم وبدلتم لأنكم كرهتم طريق الجهاد، فهو طريق الشهادة، وابتلاء الرفاق، وتمحيص في الصدور، فآثرتم حب الدنيا على حب الموت، وقذف في قلوبكم الوهن.

﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين﴾

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٨٠