إن النصر في هذا الدين ليس مفهوماً نفسياً فقط يعطي أصحابه عزة الإيمان ورفعة قيمه التي يدينون بها، بل إن النصر هو فريضة ربانية لأنه يحقق للمسلمين أداء فرائضهم الربانية بأداء أحكامه في الخلق، فمن غير النّصر لا يمكن للكثير من الأحكام الشرعية أن تطبق، لأن هذه الأمة مسؤولة عن إدارة العالم وقيادته وإرشاده، وهذا ما يقتضيه مفهوم الخيرية ومفهوم الشهادة، فسعي المسلمين للنّصر هو سعي لتحقيق واجب شرعي، لا تتحقق واجبات شرعية إلا به، وهو نصر لا يتحقق معناه إلا بالغلبة والتمكن، ولا يدون إلا بدوام الجهاد في سبيل الله في كل الظروف والأوقات والأموال.
حتى يفهم المسلمون معنى وراثة الرسالة يدركوا يومها أن الجهاد هو حياتهم، فالتوحيد هو دينهم وهو شريعتهم، لأن كل أمر رباني هو تحقيق لصفة من صفات الله تعالى، والجهاد هو آلة هذا الدين وهو حياته ووعاؤه، والذين يعارضون هذا الفهم ليقرؤوا فقط قراءة عددية لآيات القرآن التي تحدثت عن الجهاد وحياته وظروفه وقضاياه وأحكامه ومواقف الناس منه في القرآن الكريم، حينها سيبصرون بأنفسهم حق هذا القول وصوابه.
لا يمكن لرجل منصف عاقل إلا ويدرك أن كل انحراف عن مفهوم الجهاد سيعقبه لزوماً تغير لمفهوم الدين وحقيقته ودوره في الحياة البشرية، وستصبح صبغة الأمة صبغة وضعية تمحو صبغة الله التي رضيها لها.
﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾
فحياة الصحابة إذاً هي حياة الغزوات الكثيرة، هذه الحياة التي كانت فيها القفلة كغزوة، ولا فرار فيها بل كرار، وحين يقع بينهم الحديث أن لو تفرغوا قليلاً لبعض مصالحهم الزراعية التي ساءت أموالها بسبب عدم تفرغهم لها جاءهم الوعيد الإلهي بقوله ((وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)) فترك الجهاد في سبيل الله هو التهلكة، والحياة في جهاد دون غيره.
هذا ليس وعظاً يحمل الألفاظ الجميلة لمعاني ضعيفة، بل هو دين الله تعالى، وهو حقيقة التاريخ وقانونه الصارم الذي يدوس من يقف أمامه، والذين يخالفون هذا سيقفزون إلى حوادث تاريخية يلوونها لتلائم مفاهيمهم، وآخرون سيذهبون إلى البيان اللغوي ليركبوا منه الكلمات أحلاماً جميلة، ورؤى طائرة لا تمت إلى الأرض بصلة، إلا بكون أصحابها استمرؤوا كثيراً صناعة الأوهام الحالمة، ولن تعدم آخرين يتقنون صيد خواطر العلماء السابقين، هذه الخواطر التي قيلت يوماً تنفيساً عن موقف، أو وصفاً لحالة يومية ليدخلوا فيها كل القرآن وحياته، وكل حياة الصحابة التي مضت على وجه ونسق واحد في مجموعها واتجاهاتها.
﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾
هو تذكير يوجب صياغة أحكام المؤمنين أن هذا الدين يرعاه الله سبحانه وتعالى، لكن بشرط الوقوف في الصف الذي يستحق النصر، والثبات على النهج الذي يأتي منه النصر وهو الجهاد في سبيل الله، ولقد وقعت هذه الآية موقع التاريخ الحقيقي لأمة الإسلام، فلو نظر الناظر لوجد أن الإنتصارات هي الأكثر في تاريخها، هذا مع أنها الأمة الأكثر تعرضاً للغزو وتعرضاً للمحن، والأمة الأوسع وجوداً، والأكثر انتشاراً، ومع كل هذا فإنها كانت دوماً تخرج من معضلة الفناء التي تعتري الأمم الأخرى، وتقفز إلى الواجهة المؤثرة والمثيرة في تاريخ العالم، ولذلك ليس مما يستنكر أن كل الحضارات وهي في لحظة انتشائها وبهجتها يتنبأ الدراسون فيها إلى خطر هذه الأمة على وجودهم، والكثير منهم يطلق زفرات الحسرة أن الوراثة ستكون لهذه الأمة دون غيرها، يقولون هذا لمجرد وجود ومضات ضعيفة تبرق هنا وهناك، ولذلك يكون السعي دوماً في منع تشكل هذا في عقلية المجددين والمصلحين، ويتم دفعهم إلى قضايا جزئية تستغرق علومهم وطاقاتهم، وآخرون يتم احتوائهم داخل المنظومة الجاهلية وذلك على درجات رفضهم لهذه الجاهلية، والخوف الأكبر هو خروج قائد لا ينضبط بأدوات الصراع الذي تفرضه الجاهلية، ويكفر حقاً بمناهجها وآفاتها المأذون فيها، وهذا هو أساس الإنطلاق لتحقيق النصر على روح الجاهلية، وعلى قواعد وجودها، وهذه مهمة شاقة وباهظة التكاليف، لأن