تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال تعالى ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين، ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم﴾

هذه أول الآيات نزولاً من سورة التوبة كما هو مروي عن مجاهد بن جبير المكي، وإذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به كما قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى؛ لأنه أخذه عن ابن عباس رضي الله عنهما ترجمان القرآن، وقوله هذا وإن كان من قبيل الرواية لكن أغلب الظن أنه أخذها عن الحبر رضي الله عنه، وهي آيات تذكر المؤمنين بعامل النصر الرئيس الذي يقع لهم دوماً، وهو تأييد الله لهم، وذلك بما علمهم من أسباب، وبما هدى الله قلوبهم إليها، وبما ينزل معهم من جنود غيبية تؤيدهم وتقويهم، وتلقي في قلوب أعدائهم الرعب، وكلها كما قال ترى أسباب عمدتها الإيمان بالله تعالى على وجه من الباطل أهمها الصدفة بعدم وقوع القتال مع قوم يتقنونه كما قال أكثرهم، أو على معنى خرافي باطل كالسحر وغيره، ولكن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحسّون حقاً تغيراً في نفوسهم بسبب هذا الإيمان، واندفاعاً حميداً بما معهم من رصيد الوعود القرآنية والنبوية، ويرون كذلك كرامات لهم ومعجزات لنبيهم صلى الله عليه وسلم تثبت لهم صواب ما هم عليه من الدين، لكن لم تكن هذه الكرامات والمعجزات لتصل إلى إلغاء الفعل البشري الذي يباشرونه هم كما وقع مع الأنبياء السابقين من هلاك أعدائهم، ذلك لما قلت سابقاً لتحقيق الأسوة والقدوة في هذه السورة لأمة الإسلام من بعد، فإن التأييد الإلهي لا يقع إلا على وعائه الصحيح الملائم له من شجاعة وجود وعقل وسلامة قصد واتباع للسنن، وإن تخلف شيء من هذا فإن التأييد سيتخلف ولاشك.

﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾

كان الصحابة رضي الله عنهم في مكة وبداية عهدهم في المدينة يعيشون على الوعد الإلهي، فحين يأتي خباب بن عدي ليشكو لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلاقيه الصحابة من قريش فيلقي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نور الوعد القادم، وبشرى الأخبار الصادقة التي تنتظرهم في المحطات القادمة، فتقوى قلوبهم، وتنشط أرواحهم، وتزداد عزائمهم صبراً وتحملاً، فالوعود هي الوقود الذي يديم المسيرة.

كانت الوعود يومها تتعلق بالجزيرة العربية كما في حديث خباب:-)) لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون))، وفي المدينة في حفر الخندق يصبح الوعد كسرى وقيصر وفتحمها وإنفاق أموالهما في سبيل الله تعالى.

كان النصر أملاً يتهادى في جوانحهم، فهو اليقين الذي يترقبون وقوعه، ولكما اشتدت الظلمات عليهم أضاء لهم نوراً يزيلها ويبددها.

في هذه الآية ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾ كان فيها تذكير بصدق الوعد، إذ وقع الكثير منه، وتحقق النصر مرة ومرة ومرات، وكل هذه الإنتصارات رأى الأصحاب فيها يد الله ورعايته وتأييده وتدبيره.

في الحروب لا يوجد نصر وحيد ونهائي، وحين تكون أمة الإسلام هي أمة الدعوة إلى الله فهي أمة الجهاد الذي لا ينتهي، ولذلك فلا عجب أن يذكّر الله الصحابة رضي الله عنهم بنصره لرسوله صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة في هذه السورة نفسها-براءة- فيقول: "إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا"، ثمّ لا عجب أن يكون صلح الحديبية فتحاً مبيناً، ولم ينتهي الأمر بفتح مكة بل ها هو الحديث عن النصر يدور بعد الفتح الأكبر، وهكذا تجري أقدار هذه الأمة المجاهدة، وحين يتوقف هذا الدفق الجهادي، فتتوقف الإنتصارات، يعني هذا أن الأمة صارت في نزول وأفول، وبدأ خطها البياني بالهبوط حتى تتلاشى "الأمة" بكيانها وهويتها، ويصبح المسلمون مجرد أفراد لا هوية لهم تجمعهم، وهذا من أشد صور فقدان مفهوم الدين الذي هو رحمة للعالمين، وهو ضياع حقيقي لمفهوم الخيرية والشهادة، وهي أخص خصائص أمة الإسلام.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٧٨