هذه الآية هي بعد قوله تعالى ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾ قال سبحانه ﴿ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً﴾ فقد بدأت الغنائم الكثيرة تتساقط في يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح في صلح الحديبية، وهناك غنائم موعودة قادمة لكل من سلك هذا الطريق كما قال سبحانه ﴿وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكفّ أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطاً مستقيماً، وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديراًْ﴾.
لكن مما ينبغي التنبيه عليه أن قوله تعالى ﴿ولو قاتلكم الذيم كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً﴾ فإن هذه الآية يجب فهمها على حقيقتها القدرية على الوجه الذي وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ذكر الآية.
لقد قاتل المسلمون قريشاً في أحد ولم يقع هذا التولي من الكفار، وقاتلوا الروم في مؤتة ولم يقع كذلك، فما وجه هذه الآية إذاً؟.
لهذه الآية وجهان:- أولاهما:- ما حمله بعض أهل التفسير عن واقعة أهل الرضوان مع من جاء من المشركين لقتالهم من أهل قريش، ذلك لأن أمر المسلمين مع قريش صار على هذا المعنى الذي قدمناه في معنى الفتح المبين في صدر السورة، فإن قريش صارت مهزومة في كل موقعة، إذ انتهى أمر قوتها وأنهكتها الحرب، وصارت قوة المسلمين ظاهرة على كل وجه وخاصة الوجه المعنوي الذي وقع بتكرار النصر لهم والهزيمة لأعدائهم، والتكرار للهزيمة محبط للنفوس، ويقضي على كل إرادة مندفعة.
ثانيهما:- أن هذه الآية محمولة على العواقب في خلاصة اللقاءات بين طائفة الإيمان والكفر عملاً بقوله تعالى ((والعاقبة للمتقين)) فإن نهاية الكفر إلى تولي وإدبار على وجه السنة التي وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي هي سنن الأنبياء وأتباعهم كما قال الله تعالى بعد هذه الآية: ﴿سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً﴾ وهذه الآية هي من أرجى الآيات عند المجاهدين في كل زمان ومكان، تقوي عزائمهم، وتشدهم لوعد الله تعالى الصادق مهما كثرت المشاق والظلمات، ومهما أصابهم من قروح ومحن
غزوة حُنَيْن
لقد وصلت الدولة والدعوة بعد فتح مكة إلى مداها في داخل الجزيرة العربية، إذ صار الإسلام هو القطب الأول، وشعر الصحابة بأمان نفسي سابغ، انعكس هذا الأمان على الحَرَاك العسكري وأسلوب تنقله، وهذا خطر شديد، فإن مفهوم الكثرة والقلة في حسم نتائج الحروب يجب وصفه في إطاره الصحيح، بل يجب إنزاله عنصراً تالياً عن العناصر الرئيسية الأولى، ومسيرة الصحابة رضي الله عنهم علمتهم هذا في كل المواطن السابقة، إذ تقدمت عناصر البناء النفسي الإيمانية، وعناصر الشجاعة والفداء، وعناصر الحذر والوحدة، فجاءت غزوة حنين لتقيد استفزاز هذه العناصر، ولتقدم صورة العاقبة ما لو تجاوزها الجنود.
لقد فتحت مكة، ودخل آلاف جديدة في الإسلام، فنمت قوة المسلمين العددية والمعنوية، فلما شدوا الرحال إلى تجمع قبلي يتزعمه مالك بن عوف، وكان تحته قبائل من هوازن وثقيف وغيرهما ليعالجوهم، وخرجوا في حالة من الإسترخاء، هذا الإسترخاء الذي صنعته الثقة بسبب الوضع الجديد المخالف لحروبهم السابقة، وهو وضع خطير مدمر للجيوش والجنود.