- ثم قصة هبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قينقاع لعبد الله بن أبي سلول وعدم قتلهم، مع كراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر، فإنّه لما أدخل هذا المنافق يده في جيب درع النبي صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله: أرسلني، وغضب حتى رأوا لوجهه ظلاً، فهذه أمور من باب السياسة الشرعية التي يرعاها الكبار ويضيق بها الصغار، وهي حوادث لا تنتهي ولا يقتصر فيها على ما ورد في السيرة، فإن كل أمر أمر به الشارع على وجه العموم كجهاد الكفار، أو ترك فيه سعة الإختيار كحلم الأسرى، فإن تطبيق أفراده يعود إلى المصلحة الشرعية التي يراها أهل هذا الباب وخاصة الكبار منهم، ولذلك فقد كانت خزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمهم ومشركهم، مع أن سبب موالاتهم له هو عداوتهم لقريش التاريخي، فإنهم هم أهل الحرم ابتداءً حتى أخرجتهم قريش منه في قصة طويلة، فبقوا كارهين لها حتى جاء الإسلام، فكانت عداوتهم لقريش سبباً في نصحهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك، ولم يعاملهم معاملة غيرهم، فهذا باب واسع من السياسة الشرعية ومن لم يراعيه خسر في معاركه خسارة محققة، فإن المرء مهما كانت قوته لا يستطيع أن يضرب الناس بقوس واحدة، لأن الناس كذلك ليسوا في مرتبة واحدة حتى لو كان جامعهم اسم الكفر أو الردة، وهذه المسألة إدارية تحتاج إلى كثير شرح لإدراك معانيها، وضبط حدودها، فمثلاً باب قتال المرتدين يحسن التفريق فيه بين المقدور عليه وغير المقدور، ويحسن التفريق بين قتال الطوائف وإقامة حد الردة، كل هذا يقدم فيه ويؤخر بحسب مصالح الشرع وتحقيق مقاصد الجهاد في سبيل الله تعالى.
والسياسة الشرعية لا تنتهي حوادثها، ومن يطلب دليل كل عمل فيها على وجه الخصوص دون العمل بعموم الآيات والأحاديث حاله كحال جامدي الظاهرية الذين قصروا سجود السهو على الصور التي وقعت في الحديث زمن النبي صلى الله عليه وسلم دون غيرها حتى لو كانت من معنيها، وهذا خلاف الحق وما عليه أئمة الهدى والدّين.
فالقصد إن الله يصرف عباده المجاهدين عن أفعال أرادوها لحكمة يعلمها، وهم كذلك ينصرفون عن أمور من أفراد الأمر مع انشغالهم بأصله وفروعه الأخرى لمقاصد وحكم يعلمونها.
ختاماً فالسورة مليئة بالعظات والمعاني لأهل الجهاد خاصة، وهي مغرية للقراءة، فإن أسلوبها لتقريراتها لها وقع وجرس خاص على القارئ والسامع يستطيع المتأمل أن يقول الكثير، ثمّ إن وقوعها بعد سورة محمد، وهي سورة القتال ما يفتح من المعاني التي لا يخطؤها طالب العلم، ولكن كون المقصد هي مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم فلنقف هنا ولنخبر فقط عن هدية الله لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تسليمهم له في صلح الحديبية، وما فعلوه من موقف عظيم في بيعة الرضوان، هذه الهدية هي غزوة خيبر التي ذكرت في آية واحدة مع أنها الغزوة التي حققت بعض الشبع لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قالت أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق، فرضي الله عنها وعن أبيها وعن جدها، وصلى الله على حبيبها وزوجها رسول الله: لما فتحت خيبر قلنا:- الآن نشبع من التمر، وكما قال ابن عمر رضي الله عنهما: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر.
خيبر هذه التي كانت في السنة السابعة للهجرة النبوية الشريفة، أي إن كل مسيرة الجهاد قبلها كانت على الجوع حيث لا يجدون التمر إلا قليلاً، فلا أشبع الله بطون الجبناء والبخلاء كارهي المجاهدين في سبيل الله تعالى.