والحوادث وسأضرب على ذلك أمثلة متعددة ليستوعب الناس هذا الأمر، فإنه مما سيعاني منه القادة كثيراً مع الجنود، وربما يقع منهم ما وقع من الخوارج حين عابوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتاله لجيش الجمل، وهو فيه معنى استحلال الدماء، ولم يستحل أموالهم ولا سبيهم، فكان منهم ما كان من الخروج عليه وتكفيره وقتاله، ونعوذ بالله من ضلال أصحاب الجهل.
ومن هذه الصور التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك قتل أو قتال البعض:-
- في غزوة بدر خرج العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش مقاتلاً، وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال:- إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما خرج مكرهاً، فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس، والله لئن لقيته لأحملنه بالسيف، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر: يا أبا حفص، أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟ فقال عمر:- يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه بالسيف، فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفاً إلا أن تكفرها الشهادة.
هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم رفض أن يطلق سراح العباس من الأسر منّاً دون فدية، قال أنس: إن رجالاً من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ائذن فلنترك لابن أختنا عباس فداءه؟ فقال: لا تدعون درهماً.
- ومن ذلك قصة المرأة التي أخذ الصحابة منها الماء، ومعجزة النبي صلى الله عليه وسلم معها، وفي القصة:- دعا النبي صلى الله عليه وسلم علياً وآخر فقال: "اذهبا فابتغيا الماء" فانطلقنا فتلقيا امرأة بين مزادتين من ماء على بعير لها، فقال لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوفاً، قال لها: انطلقي إذاً، قالت: إلى أين؟ قال: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: الذي يقال لها الصابئ؟ قال: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثاه الحديث، قال: فاستنزلوها عن بعيرها ... القصة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجمعوا لها"، فجمعوا لها بين عجوة، ودقيقة وسويقة، حتى جمعوا لها طعاماً، فجعلوها في ثوبها وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: ((تعلمين ما رزئنا من مائك شيئاً، ولكن الله هو الذي أسقانا))، فأتت أهلها وقد احتبست عنهم، فقالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه -تعني السماء والأرض-أو إنه لرسول الله حقاً، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبون الصَّرم الذي هي منه، فقالت يوماً لقومها: ما أرى هؤلاء القوم يدعونكم عمداً، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها فدخلوا في الإسلام. ومثلها قصة قوم ضماد كما في صحيح مسلم فإنه لما أسلم ورسول الله في مكة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلم يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: وعلى قومك، فقال: وعلى قومي، فبعث النبي جيشاً فمروا بقوم ضماد، فقال صاحب الجيش للسرية (وورد عند أبي نعيم في دلائل النبوة أنه علي بن أبي طالب):- هل أصبتم من هؤلاء القوم شيئاً؟ فقال رجل منهم:- أصبت منهم مطهرة، فقال: ردها عليهم فإنهم قوم ضماد.