أي ولاية من أمورهم المالية والإدارية، فالغنائم مال، وهي من عمد الحياة، ومثلها إدارة شؤون الناس وقضاياهم، ولذلك فإن تولي –الجبناء والبخلاء- أمر الأمة، أو أي أمر من أمورها هو مفسدة لهذا الأمر، ولذلك كان رجال الشورى هم أهل البيعة لا غير، ومن دخل بعد ذلك فإنه يدخل تبعاً لا أصالة، وعلى هذا تجري أمور المسلمين.
﴿وهو الذي كفّ أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم، وكان الله بما تعملون بصيراً، هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفاً أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم، ليدخل الله في رحمته من يشاء، لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا عذاباً أليماً﴾
هذه حكمة ربانية في صرف مراد المؤمنين عن أهدافهم التي يحبونها لأمور هي أعظم في عين الله، ومن أجل مقاصد أفضل من مقاصدهم، وقد يتم الصرف القدري كما وقع بعض صور هذا الموقف الذي تشرحه هذه الآية، وقد يقع الصرف الشرعي، وهي صورة كذلك وقعت في الحديبية، وحمل هذا الكف على وجه واحد من الأمرين غلط وقع فيه من وقع.
أما الصرف القدري فقوله صلى الله عليه وسلم:- "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكنها حابس الفيل"، وقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على الموت، فلم يكن قتال ولكن وقع الصلح وفي نفوس الصحابة ما فيها من الألم والحزن، ولذلك لم يدخل النبي مكة بعد البيعة لعلم الله أنه لو وقع هذا لقتل من المسلمين المستضعفين فيها من لا يعلمهم إلا الله ولم يعلمهم الصحابة رضي الله عنهم، وهذا معنى قوله ((ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم))، وهذا يعلم المؤمنين أنهم إن اتقوا الله تعالى وأعملوا جهدهم في إصابة الحق، فوقعت الإستخارة والشورى ثم توكلوا على الله لا يقاع أمر من الأمور ثم لم يكن أن لا يحزنوا، بل عليهم أن يعلموا أن ما قدّره الله لهم هو الخير؛ وليعرضوا عن قول "لو"، وجماع هذا الأمر مجموع في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:- المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، ولا تعجز، فإن غلبك أمر فقل: قدّر الله وما شاء فعل وإياك و"اللو"، فإن "اللو" عمل الشيطان فإن "اللو" تفتح عمل الشيطان، وبلفظ ((وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ((. هذا حديث من جوامع القدر، وجوامع فعل الإنسان فيه، لا يند عنه شيء، ولو تأمله المرء لعلم قيمة هداية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، فإن أعظم ما فيه هو دفع المؤمن لتحقيق أسباب القوة، وهي كل ما في هذه الحياة، وأن لا يقبل المرء من كل عمل فيه منفعة له بلا كسل ولا عجز، بل عليه أن يقبل على أعظم المهمات ولا يعجز، فإن وقع فهذا فضل الله وإن لم يقع فهذا قدر الله وحكمته وليغلق باب اللوم والتقريع، لأن تخلف الفعل حينئذ لا ترتد عليه سيآته، بل هو براء منها، وهذا ما يجب على المجاهدين، فإن عليهم أن يسلكوا هذا السبيل بحذافيره حتى يحققوا أمر الله، فإن صرف فعل عن تحقيق مرادهم بعد استكمال الموجبات الشرعية والقدرية فإنما هو لأمر في علم الله، ولا لوم ولا تقريع، وهذا أمر يجب أن يراعوه دائماً، فإن هذا الدين دينه ولا يقدر له ولأهله إلا ما فيه حكمة، وليس الخلق بأكثر رعاية لهذا الدين من الله تعالى.
وأما الصرف الشرعي فهو ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم من إطلاق يد الأساري الذين وقعوا في يده، أربعين أو خمسين رجلاً، حين حاولوا أن يصيبوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا، فعفا عنهم وخلى سبيلهم، وهذا الصرف هو من حكمة عقلاء القادة الذين يزنون الأمور بموازينها، فكل بحسبها، ولا يجعلون الناس والعالم والمخالفين على وجه واحد، وهذا قد يجهله الصغار لأنهم أصحاب معيار واحد، ولا تطيق عقولهم حكمة تعدد القضايا والناس