تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رسول الله صلى الله عيه وسلم إلى العمرة، وفاتتهم بيعة الرضوان ثم كانت كرامة الله وعطاؤه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن خرجوا لخيبر، فأرادوا الخروج معه، ولكن الله قال:-"سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا، كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً" فمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج معه إلى خيبر إلا من خرج إلى العمرة وبايع بيعة الرضوان، لأن خيبر هدية الله لهم على هذه البيعة.

ثمّ أجّل قبول توبة المنافقين إلى محنة قادمة قال الله فيها "قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد"

وقد اختلف أهل العلم في هؤلاء القوم الذين هم أولي بأس شديد، فقال بعضهم هم المرتدون من بني حنيفة، وقال آخرون: هم أهل فارس والروم، وقيل غير ذلك، وهذا التفسير هو من باب تفسير الشيء ببعض صوره، ولكن هذا التأجيل يدل على أن مسيرة الجهاد متواصلة، وأن فتنة ستقع على الدوام كما قال تعالى:-"أولا يرون أنهم يقتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون" وهذه كانت خاتمة قول الله فيهم بعد غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة، وهذا يدل كذلك أن توبة المنافقين لا تكون إلا بدخول هذا العمل، ولا يمكن قياس الناس ومراتبهم مع قضية النفاق إلا بالجهاد في سبيل الله تعالى، فهو المعيار الحق، وهو المقياس الرباني.

الصف الايماني محنته الكبرى من هؤلاء المرضى، وأسيادهم هم المنافقين، وهذه المحنة تتزيا بزي العلم والفقه، وهي تلبس مواقفها دائماً ألبسة العقل والمصلحة، ولن تعدم دوماً أن تحمّل القرآن الكريم والسنة النبوية معاني الجبن والبخل التي تكمن في نفوسهم، فيجعلون هذه الأمراض النفسية معاني عامة تتعلق بمصلحة الأمة، أو مصلحة الجماعة، وهذا فن لا يعجز العقل الشعري (الذي يهيم في كل واد) أن يزينه بعبارات جميلة، ثمَّ لا يعجز المرضى بالجبن والبخل أن يبرروا كل هذا على وجه عقلي خادع، فالتبرير هو أقوى فنون هؤلاء القوم، لا يغلبهم فيه أحد، ولذلك جعل القرآن معيار صدق التوبة هو "مقاتلة قوم أولي بأس شديد"، وجعل صفة القتال على وجه الذهاب فيه إلى آخره بقوله:"تقاتلونهم أو يسلمون"، وهو لفظ يمنع اجراء أي مفاوضات وسطية بين هذين الأمرين، وقوله تعالى "تقاتلونهم أو يسلمون" يحتمل المعنى الشرعي: أي أن الله لا يقبل منهم إلا ذلك، ولذلك قال من قال من أهل العلم: أنهم المرتدون، لأن المرتد لا يقبل منه إلا الإسلام وإلا فالقتال، وإما أن المراد المعنى القدري؛ أي أن هؤلاء القوم لا يختارون قدراً لأنفة نفوسهم دفع الجزية، وهذا وقع من فارس والروم، وأما من قال من أهل العلم:- إنهم أهل الأوثان، لأنهم لا يرون قبول الجزية من المشركين، ويجعلون جوازها مقصوراً على أهل الكتاب، والمسألة خلافية، والصحيح هو قول من قال: إن آية الجزية عامة، وهو قول مالك رحمه الله تعالى وآخرين.

إذاً معيار ترك النفاق والتوبة منه هو قذف الناس في هذا المعترك الشديد، ومن خلاله يتم التمييز ومعرفة مراتبهم، ثمّ إن منع الله تعالى للمنافقين من الخروج إلى الغنائم في خيبر من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما تأكد بعد ذلك في سورة التوبة (لأن التوبة نزلت بعد الفتح إجماعاً، ولذلك فقد أخطأ من ظنَّ من أهل العلم إن الأمر في الفتح هو استجابة لما نزل في التوبة في قوله تعالى ((فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً)). = يعلم هذا أهل الإسلام أن لا يولوا أحداً من الناس لم يمتحن بمحنة الجهاد، ولم يقف معها موقف المؤمنين،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٧٣