تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو ردّ على كل من يزعم أن صعوبة الطريق وقسوة ظروفها تدفع العاملين لبعض الأساليب التي تخالف هذه القيم، وهذا غلط ولا شك، ولكن ما يجب استحضاره في هذا المقام أن هناك عنصر ملازم لهذا التوافق بين تحقيق الهدف والتزام القيم وهو عنصر الصبر وتحمل التبعات والمشقات، فهذان أمران متضادان هما التزام القيم وبحبوحة العيش ورغدها، ولذلك فَطرق الجنة محفوف بالمكاره، وطريق الاسلام ابتداءً هو الغربة، وحين يسعى البعض للتخفف من القيم رجاء الوصول إلى الهدف يعني لزوماً أنه يسعى لللدنيا، وهذا لا يستقيم مع الهداية النبوية، فالخطوة التي تتحقق مع التزام القيم الشرعية هي خطوة حقيقية فيها الهداية وفيها النصر كذلك، وأما الخطوات التي تحصل بغير ذلك فهي رهق سيكلف الكثير، ولذلك سرعان ما تذهب لأنها من الزبد ولا حقيقة لها.

ثم إن النصر العزيز هو النصر الذي يتحقق بوضوح وجلاء، ويؤخذ بقوة وغلبة، وتعهد العدو واذلاله، لا بإذنه وشروطه، وهذا لا يمكن تحققه إلا بالجهاد في سبيل الله تعالى، أما أن تأخذ ما نأخذ من الخطوات والمنافع وأنت تدفع ثمناً لها من قيمك، وترضى بشروط خصمك ثم تزعم النصر العزيز فإن هذا من باطل القول وخطئه، فالوعد القرآني للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده هو النصر العزيز، وقد علمهم طريق هذا النصر بهديهم إلى الصراط المستقيم، وهذا أقوم الطرق وأقصر الطرق وأصوب الطرق لكنه مع ذلك أشق الطرق وأصعبها.

"قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً"

لقد مضت سيرة الجهاد كلها بلا أي دور للمنافقين، فإن قاتلوا قاتلوا يسيراً، وإن خرجوا لم يزيدوا المؤمنين إلا ضعفاً في الرأي والبدن، فوقفوا أغلب المواقف موقف المخذل وبعضها موقف المراقب، وقد تم الفتح الرباني لرسوله صلى الله عليه وسلم وهم كذلك، حتى ورسول الله صلى الله عليه وسيم خارج للعمرة، لابساً ملابس الاحرام ليظهر مراده أن لا قتال وقف النافقون موقف الجبن هنا فقال تعالى عنهم:-"سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، قل فمن يملك لكم من الله شيئاً إن أراد بكم ضراً أو أراد بكم نفعاً بل كان الله بما تعملون خبيراً"

فتعللوا بما شغلتهم به أموالهم وأهلوهم، فكشف الله مستور قلوبهم "بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوماً بوراً"

لقد كان خروج رسول الله عليه وسيلم إلى الحديبية في السنة السادسة للهجرة، وقد مضت آيات الله العظيمة بنصر رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومع مرور كل هذا فإنهم ما زالوا في شك من وعد الله، وما زال الخوف يملأ جوانحهم، وما زالوا يظنون أن الأمر مجرد صدف تتواى وستأتي الحقيقة التي ينتظرونها وهي انتهاء هذا النبي ومن معه.

هذه نفسية المنافق، وهي نفسية الجبان المخذول الذي يتعامل مع الذاهب أنه خطأ في التقدير ومع الآتي أنه حالة خاصة تستدعي الحذر وعدم الاندفاع، ويبقى كذلك حتى تأتيه القاصمة، ومثل هؤلاء الكثير في كل زمن، فهم يعذرون أنفسهم في ما مضى من المواقف، ويقيمون على نفس النهج مع الآتي، لأنهم يبنون حساباتهم على أن النصر هو النجاة، والفوز هو البقاء لأموالهم وأرواحهم، وأما الخسارة فهي الموت وخسران الأموال ورغد الحياة. هؤلاء المنافقون لم يخرجوا مع

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٧٢