تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الشرع لا يأتي بما يخالف بداهة العقول، ولكن يأتي بما لا تدركه بعض العقول، هذا ما يعلمه أهل الاسلام وقاله علماؤهم، وقدر الجهاد أن يقع فيه من المواقف التي تؤلم المجاهدين وقادتهم لكن يجب عليهم التسليم لأمر الله تعالى، حتى لو بدت لهم اللحظة الراهنة على غير ما يحبون، ولذلك كان أبو بكر هو أعظم الناس الناس فهماً وعلماً وتسليماً وعقلاً.

الإيمان بالله يعني التسليم لأمره، ولكن القادة يلزمهم مع هذا التسليم وعياً كلياً على الحياة ووعياً على حكمة الشرع، ووعياً على التاريخ ووعياً على الإنسان ليحصل لهم الاستحقاق بأن يدخلوا في سلك ضبط الذهب الذي يقيم له القرآن الشأن والاهتمام.

قال تعالى:- ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً، وينصرك الله نصراً عزيزاً، هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادو إيماناً مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيماً، ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً، ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً، ولله جنود السماوات والأرض، وكان الله عزيزاً حكيماً﴾

سورة الفتح هي خلاصة المسيرة النبوية مع حياة الجهاد، أي الوصول مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المرتبة التي يريدها الله من الانسان بعد إنزاله إلى الأرض، وهي تحقق مرتبة العبودية التي هي أكمل مراتب الإنسان وأعلاها وأزكاها، وخير ما فيها هو الغفران.

إن الحاجز الوحيد بين العبودية واكتمالها وبين الانسان هو الذنوب، وحين يصل الحب الالهي للإنسان بأن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فهذا يعني دخول الإنسان في العبودية الكاملة لله سبحانه وتعالى، وهي المرتبة التي بلغها الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وهي منّة الله عليه في ابتداء الدعوة ومنة عليه حين الخاتمة كما قال تعالى:-"اذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً".

إن مسيرة الفتح هي مسيرة العبودية لله تعالى، يسعى فيها أصحابها لتحقيق أعلى ما يطلبه العبد بأن يغفر الله له، فهم لا يسألون شيئاً من أشياء هذه الدنيا، فهي عندهم كما عند إمامهم " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى وعالماً ومتعلماً" ذلك لأنها في عين الله لا تعدل جناح بعوضة، وأي ضعف أمام هذه الدنيا يعوق الوصول للتمكين كما قال تعالى "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً" ولما تقدم من حادثة أحد في قوله تعالى "منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة".

شرط سلوك هذا الدين والامامة فيه، وشرط سلوك طريق الجهاد هو قطع الرغبة في هذه الدنيا، لأن حبها مرض خبيث يعطل المسيرة ويدنس مطالب الدين الجليلة ومقاصد الجهاد الربانية، ولذلك اقترن الفتح بالغفران، وهو مطلب أخروي غيبي، ولو تأملت ادراك موسى عليه السلام لنعمة المغفرة الربانية لذنبه بقتل القبطي كما في سورة القصص وجعل المغفرة سبباً لموقف الاصلاح في الأرض، ورد الظلم، ومناصرة المظلومين لأدركت أنت أهمية المغفرة الربانية في اعداد

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٧٠