كذلك له خاصة بما بشره من مغفرة ذنبه ما تقدم منه وما تأخر، ولكن فرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بإتمام مهمته في بسط سلطان هذا الدين في الأرض ودخول الناس في دين لله تعالى أفوجاً هو فرح أصلي كذلك يشاطر فرح المغفرة، وادراك أهل الاسلام لمقاصد الاسلام حتى لو تجاوزت مقاصدهم الدينية الشخصية واجب عليهم أن يفهموه خلال مسيرتهم لتحقيق الفتح الرباني، هذا إذا كان التزاحم بين هاتين الحسنتين، أي مقاصد الإسلام العامة ومقاصد المرء الدينية الذاتية، أما إن كان التزاحم بين مقاصد الاسلام ومقاصد دنيا الشخص المسلم فإن هذا أمر مفروغ منه، ولا يساوي بينهما إلا المنافق.
هذا الجهاد النفسي لتقديم مقاصد الاسلام لتحقيق الفتح على مقاصد التدين الذاتي لا يفهمه الصغار الذين لا يدركون فقه الإسلام على الكليات، بل هم مستغرقون في الجزئيات، مهما بدت متنافرة داخل هذه الكليات العظمى، ولا يقع هذا الإحكام إلا باجتماع أمرين اثنين لا يتحققان إلا للكبار من القادة والعلماء.
هما التسليم والوعي، ومشكلة العالم كله تدور حول الصراع بين هذين الأمرين لما يبدو بينهما من الخلاف والتضاد، اذ كيف يمكن للمرء أن يكون عاقلاً مدركاً مفكراً حراً وبين كونه مُسَلّماً مقتدياً متبعاً؟!. وهذا يحتاج إلى بحث خاص، ولقد كتب فيه السابقون، ولكن الهجوم المعاصر من قبل أصحاب المذهب الانساني ومشايخ فتوى المصلحة يحتاج إلى كتابة جديدة لمعالجة قضايا عصرية، لأن الكتابة القديمة دار أغلبها لحل قضايا زمانهم –فكتاب ابن تيمية رحمه الله: درء تعارض العقل والنقل هو لبحث قضايا المتكلمين الاقتصادية التي كانت مدار البحث يومذاك.
التسليم في ديننا هو الأساس، وهي الحالة التي يجب على الجميع أن يدخل فيها، وهي كذلك تسع الجميع على اختلاف مستوياتهم العقلية والذهنية، لكن الوعي المدرك حالة خاصة لا تكون إلا للكبار، والنموذج الأكمل لاجتماع هذين الأمرين هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه –اللهم أشهد أني لا أحب أحداً من البشر بعد الأنبياء كما أحب هذا الرجل فوالله إني لا أنظر إلى جانب من جوانبه إلا وتأخذني العبرة والذهول-، فموقفه من هذا الفتح كان هو الأكمل والأتقى والأعقل كحاله كله مع صاحبه وحبيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أراد النظر إلى نموذج آخر من هذا النوع فإنّه جلي في شخص الإمام الشافعي رضي الله عنه، ولا أظن أن أحداً في عصره أو من بعده يعدل هذا الرجل في اجتماع هذين الأمرين فيه، فهو آية في العقل والاتباع، ولو وقف الناس فقط على كلامه في "الرسالة" في معنى البيان لرأوا قيمة هذا العقل الكبير، ولذلك يحق لمعاصريه –وهم الكبائر- أن يبهروا به ويقروا له بالعقل والعلم.
لقد كان هذا الفتح اختباراً كبيراً للصحابة رضي الله عنهم بين مفهوم الاتباع وعدم الوعي على الأمر الشرعي، وهو اختبار كذلك بين الاتباع والفخر الايماني لما في رجوعهم عن العمرة من ألم وشدة، فنجا الله الصحابة رضي الله عنهم بإيمانهم ودينهم وأتباعهم، ولو قارنا بين موقفهم السابق من اقبالهم الشديد على البيعة العظيمة؛ بيعة الرضوان وأفعالهم المتألمة من تحللهم من احرامهم لرأينا أن اختبارالتسليم أشد على نفوسهم من اختبار الشجاعة في الإقدام على الموت، وهذا تعليم للمجاهدين أن يراعوا هذا الجانب العلمي كما يراعون دائماً جانب الإعداد النفسي في تحقيق صفة الشجاعة الإيمانية.